الليلة اللي غيرت كل حاجة” حكاوي ديدا الشهاوي

الجزء الأول أضواء الفلورسنت في سوبر ماركت فاتح 24 ساعة في القاهرة كانت مضيئة على الممرات بضوء أبيض حاد، لدرجة إنها كانت بتخلي أي حد حتى لو شاب يتعب بسرعة. كانت الساعة 9 بالليل يوم أربعاء، والمكان كان شبه فاضي: اتنين أو تلاتة زباين بيجمعوا الحاجات اللي نسوها، والعمال اللي بيعيدوا رص البضايع في صمت، وكاشيرات بيعدوا الدقايق عشان يقفلوا.

رامي فهمي كان واقف في الصف السريع، ماسك في إيده زجاجة ويسكي رخيص وعشا مجمد. عنده 43 سنة، وكان المدير المالي لشركة “جروب كايرو”، واحدة من أكبر شركات اللوجستيك في مصر. لابس بدلة كحلي ماركة مصممين، وكرافتة متظبطة وساعة سعرها أغلى من عربية مستعملة. من بره، كان شكله راجل ناجح ومالك الدنيا. لكن جوه، كانت حكاية تانية: أرمل بقاله 18 شهر عايش، مش عايش حياة حقيقية. مراته، دينا، ماتت بسرطان الثدي بسرعة. قضوا 12 سنة جواز وحزن ساكت: عمرهم ما قدروا يكون عندهم أولاد.

الصف اتحرك، وقتها شاف الست اللي قدامه. كانت شابة حوالي 28 سنة، شعرها بني غامق مربوط كعكة مهملة، لابسة سويت شيرت رمادي مهترئ عند الأكمام. ماسكة في حضنها بيبي، بنت حوالي 5 شهور، لابسة جاميسه أخضر فاتح. جنبها كانت بنت صغيرة 4 سنين، ضعيفة، لابسة فستان أزرق منقط، وبصت لماماها بجدية الأطفال لما يحسوا إن في حاجة غلط جدًا. —آسفة —قالت للكااشيرة بصوت متوتر كأنه على وشك الانكسار—. محتاجة أرجع ده. كنت فاكرة بطاقتي فيها رصيد، لكن اترفضت.

في إيدها كان فيه علبة لبن أطفال. الكااشيرة، ست حوالي 50 سنة وشكلها باين عليها إنها شافت كتير في حياتها، هزت راسها من غير ما تحكم عليها. الست دورت على شوية فكة في جيوب بنطلونها وهي بتحاول تضبط البيبي. إيدها كانت بتترجف. البنت الكبيرة مسكت كُمها برقة: —ماما… البيبي هتبقى جعانة؟ الأم قفلت عنيها لحظة: —لأ يا حبيبتي، دلوقتي نحلها. بس صوتها كان متكسر. وراها، راجل تنفس بعصبية. في اللحظة دي، حاجة اتكسرت جوه رامي. خطى خطوة لقدام:

—اسمعيني. خلياني أدفع اللبس ده وكل اللي محتاجاه للأسبوع. البنت بصتله، زعلانة من كبريائها: —مش عايزة صدقة. —مش صدقة —قالها هو برقة—. أنا بعرضلك مساعدة. رامي دفع 4 علب لبن أطفال، حفاضات وشنطة خضار ولوازم. بره، الهوا البارد في نوفمبر كان قوي. لما عرفوا إنهم هياخدوا ميكروباص لحي شعبي في حلوان، رامي خلّاهن يركبوا عربيتة الفخمة. وصلوا لشقة متواضعة، دهانها متقشر، رامي طلع الشنط للطبقة التانية. الشقة كانت أوضة واحدة، بسيطة لكن نظيفة. هناك عرف إن اسمها مريم، وأبوهم سيبهم، وخسرت شغلها من شهر.

متأثر، رامي خرج الشيك بوك، كتب رقم وسلمها الورقة. كانت 100,000 جنيه. —بالنسبة لي دي حاجة صغيرة، لكن ليكي ممكن تكون فرصة تاخدي نفس —قال. مريم بدأت تبكي. لما مدت إيدها المرتجفة تاخد الشيك، صوت باب الخشب اتهز بعنف، المفصلات عملت صوت. عند العتبة ظهر راجل عينه حمراء، ريحته كحول. كان رامي، حبيبها القديم. شاف الشيك، شاف المليونير، وابتسم ابتسامة مش كويسة وهو بيطلع سكينة من جاكيتة. مش مصدق اللي هيحصل…

الجزء الثاني الهوا في الأوضة الصغيرة بقى تقيل. رامي، متمايل لكن بعصبية كبيرة، خطى خطوتين لقدام: —يعني لكده بس بقتي شاطرة يا بنت المصلحة! —صاح، وكلماته مليانة غضب—. بتعملي نفسك الضحية معايا، بس خلاص دخلتي بيت غني عشان تلمّي فلوس! الشيك ده لي! لولو، البنت 4 سنين، صرخت وخبت ورا رجلي أمها. مريم ماسكة البيبي بقوة، مرعوبة. رامي رفع إيده اللي ماسكة السكينة، عايز ياخد الورقة بالقوة.

بس رامي مش رجع. عنده 43 سنة، وبعد ما خسر مراته، ما كانش خايف من الموت أو العنف؛ كان خايف من الفراغ. بحركة سريعة، حط جسمه بين العيلة والمهاجم. مسكش سلاح، بس حط إيده على ساعته الذكية وضغط زر الطوارئ: —ماتقربش خطوة كمان —قال برزانة شديدة، صوت قاسي خلا مريم تتجمد من الخوف. رامي ضحك بصوت عالي وهجم عليه. قبل ما السكينة توصل للبدلة الغالية، اتسمع صوت خطوات تقيلة على السلم. في أقل من 10 ثواني، اتنين رجال بدلة سودا، طولهم حوالي 2 متر، دخلوا الشقة. كانوا الحراسة الخاصة برامي، مستنيينه في العربية المدرعة تحت.

بكفاءة رهيبة، واحد منهم شال السكين من رامي، والتاني مسكه على الحيطة. —اطلعوه من هنا —أمر رامي، وهو بيرتب كُم القميص—. وتأكدو إن البوليس يستقبله بتحذير واضح. لو قرب أي عيلة دي كيلومتر، هتأكد إنه متشوفش الشمس 20 سنة. وهم بيخرجوه، مريم وقعت على الأرض الباردة، بتعيط، ماسكة بناتها. رامي انحنى جنبها، وحس بقلبه بينبض بقوة مش حاسس بيها من 18 شهر. —المكان ده مش آمن ليكم —همس، وهو بيوقفها—. جهزي شنطكم، الحاجة الضرورية بس. انتوا التلاتة هتيجوا معايا.

الليل ده غير مصير أربع حيات. رامي نصبهم في شقة فاضية لشركته في منطقة الزمالك. كانت مليانة نور، أرضيات رخام، أمان 24 ساعة ومياه سخنة. أول 15 يوم، مريم أصرت إنها هتدور على شغل عشان تدفع الإيجار، خايفة تدين لرجل قوي. لكن رامي بصبر، وورّاها نواياه صافية. عدّت 6 شهور. اللي بدأ كمساعدة، بقى علاقة إنقاذ متبادل. رامي يزور الشقة 3 مرات في الأسبوع، يجيب لعب، خضار، والأهم وقته. ترك الويسكي، وابتدى يبتسم. يوم من الأيام، وهو بيركب برج من المكعبات مع لولو، البنت بصتله بعينيها السود الكبيرتين:

—أنت من الناس اللي بيحبوا يساعدوا؟ —سألت. رامي حس بعقدة في حلقه ومد إيده على شعرها: —بحاول أكون واحد منهم، يا صغيرة. الحب بين رامي ومريم نما في صمت، حب ناضج من الإعجاب والاحترام. مريم درست كورسات إدارة بنفسها وشغل نص وقت، وأثبتت له إنها مش ضحية، لكنها محاربة. لكن العاصفة الحقيقية كانت والدته، ستة ليلى فهمي، 68 سنة، متنمرة وبتحتقر كل اللي مش من طبقتها. لما عرف إن رامي ناوي يتجوز “ست فقيرة” ويتبنى بناتها، قررت تتدخل بشكل قاسي.

استغلت غيابه 3 أيام في الإسكندرية عشان شغل شراكة، وراحت شقة الزمالك بصحبة محاميين ورامي القديم، رامي. دفعت له 500,000 جنيه ينفذ مخططها. مريم فتحت الباب، وحست إن الدنيا بتسقط عليها لما شافت المعتدي مبتسم جنب ست محاطة بالمجوهرات. —هقولك مرة واحدة —بدأت ليلى، داخلة من غير إذن—. ابني مش عارف. بيشيل ألم أرملته عليكي وعلى البنات دول. إنتِ طفيليّة. لكن أنا عملية. هنا العقد. محامٍ حط العقد على الترابيزة.

—لو امضيتي تنازلك عن أي حق في ممتلكات ابني وتهربي من مصر دلوقتي، هديكي 3,000,000 جنيه. لو رفضتي، الراجل ده، الأب البيولوجي، هيقدملك قضية اختطاف وتأثير على أولادك. عندي 3 قضاة على عيني. هاخد البنات دلوقتي وأنتِ هتقفلي في سجن القناطر عشان ابتزاز. مريم حسّت إنها مش قادرة تتنفس. بصت على صوفي في سريرها ولولو عياط ماسكة رجلها. الرعب كان أقوى من حبها لرامي. بإيد مرتجفة، مسكت قلم أسود. —امضي —همس رامي القديم، مستمتع بالانتقام.

لما قربت تكتب اسمها، الباب اتفتح فجأة. رامي ظهر، مش لابس بدلة، جاكيت جلد، تنفسه سريع وعينه شرسة، خلت المحاميين يرجعوا ورا. عرف كل خطوة والدته وأمر حراسه يراقبوها من 48 ساعة. —سيبي القلم، مريم —أمر وهو ماشي بخطوات ثابتة للوسط. حط نفسه بينها وبين والدته. —رامي، ابن… الست دي بتحاول تتحكم فيك… —حاولت تقول ليلى. رامي صمت. ووقتها دمرت صمتًا كل اللي بيحاولوا يسيطروا. حط ظرف أصفر تقيل على العقد.

—جوه الظرف ده، يا أمّي، 3 حاجات —قال هادي—. رقم 1: تسجيلات الكاميرات في بيتك وانت بتدي فلوس للمعتدي. رقم 2: تحويلاتك غير القانونية للمساجين. رقم 3: أمر ضبط فوري ضد رامي القديم عن احتيال مالي وعنف أسري، وده المحامين بتوعي فعلوه الصبح. الهدوء خيم. القلم وقع من إيد مريم. رامي اتجه للمحاميين اللي عرقوا من الخوف: —عندكم دقيقة واحدة تطلعوا قبل ما أبعت الأدلة للنقابة وأدمر حياتكم المهنية. المحاميين مش قالوا كلمة، جمعوا شنطهم وهربوا. رامي القديم حاول يهرب وراهم، لكن الحراسة كانت واقفة. تم تجليده وسحبه للمصعد. آخر مرة يشوف مريم وبناتها. هيقضي 15 سنة في السجن.

رامي اتوجه لوالدته. ليلى ارتجفت، فهمت إنها استهنت بالابن اللي ربته. —انتي أمي —قال، بصوت مكسور لكن حازم—. وعشان كده مش هبعتك السجن النهاردة. بس من دلوقتي، انتِ مرفوضة من مجلس إدارة جروب كايرو. هجمّد أصولك وأمسح كل الأسهم. كنت عايز عيلة، وانتِ حاولت تدمر اللي رجع لي حياتي. ماتحاوليش تقرب مني تاني. ليلى، مهزومة، خرجت ساكتة. لما الباب اتقفل، رامي وقع على ركبته قدام مريم. هي حضنته بشدة، مخبية وشها في عنقه، عيطت لغاية ما خلصت دموعها. لولو ركضت حواليهم.

—مش هتكونوا لوحدكم تاني، بوعدكم بحياتي —همس. بعد سنة بالظبط، اتجوزوا في فرح صغير، من غير صحافة أو بهرجة، مع 50 صديق حقيقي. مريم لابسة فستان عاجي بسيط لكن رائع. في الفرح، لولو اللي بقيت 5 سنين، قربت من رامي وسألته قدام الكل: —يعني دلوقتي انت بابا فعلي؟ رامي، بعينيه مليانة دموع، ركع عشان يوصل لمستواها: —لو انتِ عايزة، أيوه. على طول. بعد 6 شهور، تم اعتماد البنات رسميًا باسم فهمي. جه المهرجانات المدرسية، الركب الخدوش، الليالي في علاج الحمى والحكايات قبل النوم. رامي فهم إن النجاح مش رقم في البنك، لكن سماع كلمة “بابا” لما تعدي باب البيت.

رامي ومريم أسسوا “بيت دينا” تكريمًا لأول زوجة له. مش مؤسسة ورقية، لكن ملجأ حقيقي بيساعد أكتر من 3,000 أم عازبة كل سنة، بعلاج، حضانات وتدريب. مريم كانت مديرة بقلوب حار، عارفة معنى الدنيا تضغط عليك. عدت 15 سنة. رامي وقف تاني في سوبر ماركت. المرة دي ماكانش معاه عشا مجمد أو ويسكي. العربة مليانة ملايات، لمبات، دفاتر وعلب حبوب. جنبه لولو، 19 سنة، جميلة ومستقلة، على وشك الانتقال لشقتها الجامعية لدراسة الطب بمنحة.

وهي مستنية دورها، بصت للأضواء فوق، وبعدها لباباها وابتسمت بحنين: —بابا… فاكر أول مرة شفتنا هنا؟ رامي بص، حاسس بدفء جوه قلبه: —كل تفصيلة. لولو اتكأت على كتفه: —أنا كمان فاكرة حاجة. سألتك لو انت من اللي بيحبوا يساعدوا. ضحك بخفة: —و أنا قلتلك بحاول أكون منهم. لولو بصتله بعينين مليانين فخر: —فعلا قدرت، بابا. انت الأفضل. رامي بص على بنته، وفكر في مريم في البيت بتحضر العشا، وصوفي 15 سنة مليانة البيت موسيقى، وفهم الحقيقة الكبيرة:

الفلوس ممكن تجيب بيوت وفخامة وصمت ناس، لكن مش هتقدر تشتري المعجزة اللي بتحصل لما بني آدم يقرر ما يقلبش وشه عن وجع حد تاني. الليلة الباردة دي من 15 سنة، هو افتكر إنه بينقذ أم فقيرة وبناتها… الحقيقة إن الأم والبنات دول، واللحظة قدام الكاشير، هما اللي أنقذوه هو. رجعوله روحه وحياته. ومن وقتها، عمره ما شك إنه يبقى من الناس اللي بيساعدوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى