رسائل

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 4 صفحات

بارت 01 دخل عليّ تلك الليلة ونبرة صوته لم تكن كما اعتدتُها، كان يختبئ خلف هدوءه المصطنع، لكنني شعرتُ بالريبة تتسلل إلى صدري، طلب مني أن أغلق الباب وأجلس بجانبه ولم أكن أعلم أن كلماته القادمة ستهدم عالمي قطعة قطعة “بما أننا نتشارك كل أسرارنا، وبما أنكِ زوجتي الأولى وشريكة حياتي، فلابد أن أُعلمك بهذا القرار…” قالها بهدوء غريب، وكأن ما سيقوله لا يحمل وزنا حاولتُ إخفاء قلقي، فابتسمتُ ابتسامة باهتة وقلت له

“هيا، أخبرني، لقد شوقتني.” تنفس بعمق،  شعرت أن ماكان  سيقوله يحتاج إلى شجاعة لم يمتلكها، ثم قالها أخيراً “أفكر في الزواج مرة أخرى.” للحظة، شعرتُ أن العالم توقف، الكلمات وقعت على مسامعي كالصاعقة، حاولتُ أن أتماسك، أن أبدو قوية كما اعتدتُ دائما فقلتُ له “كفاك هذياناً.” لكنه لم يتراجع، بل أكد بجديته “أنا لا أهذي، أنا جاد.” “لا ينقصني سوى هذا المزاح السخيف. ” رددتُ وأنا أحاول أن أهرب من الحقيقة، لكن عينيه لم تتركا مجالا للشك

“أنا في منتهى الجدية. ” قالها بنبرة خالية من أي تردد أجبته بصوت حاد أكتم به غضبي “حسنا، افعل ما تشاء.” رأيتُ الانزعاج يرتسم على ملامحه، بالطبع لم يتوقع مني هذا الرد “لماذا انزعجتِ؟” سألني ببرود غريب وكأنني أنا المخطئة في هذا الموقف “على العكس” قلت له وأنا أحاول أن أكتم مشاعري المتدفقة “خبر جميل، من قلبي سعدتُ لك.” حاول أن يستدرجني إلى حديث أطول، لكنه لم يفهم أنني كنت أحارب عاصفة في داخلي.

“إذن قبلتِ؟” سألني، يختبر صبري. “لا أدري.” شعرتُ أنني أقف على حافة الهاوية، كل سؤال منه يدفعني خطوة أقرب إلى السقوط. كيف يمكنني أن أقبل؟ كيف يمكنني أن أكون جزءا من هذه المسرحية التي يكتبها وحده؟ غادرتُ الغرفة، ولكني لم أستطع الهرب من ظلال كلماته، تبعني إلى المطبخ، حيث حاولتُ الانشغال بإعداد العشاء، لكن يدي كانت ترتجفان. تلك الكلمات لم تغادر عقلي الذي أصبح مثقلا بعبارات تحفر في أعماقي وكأنها خناجر، حاولتُ أن أبدو قوية، لكن مع كل كلمة منه كنت أشعر وكأنني أتهشم بصمت

“يا زوجتي، تعرفين أن قبولك مهم.” قالها بنبرة لا تخلو من جدية، إنه حقا يختبر قدرتي على التحمل. نظرتُ إليه بعينين ممتلئتين بالخذلان، ثم قلتُ بصوت متحشرج “آسفة، إن قلبي يرفض… ويرفض بشدة.” حاولتُ أن أغير الموضوع بأي طريقة، فتابعتُ “والآن، العشاء ينتظرني، المعذرة منك.” لكنه لم يترك الأمر يمر بسهولة، بل حاول إيقافي بنبرة أكثر إلحاحا “يجب أن يرضى… رجاء اجلسي.” تجاهلتُ توسله، فقد كنت بحاجة إلى الهروب، إلى الهروب من ثقل كلماته.

“لن أقف في وجه سعادتك، أترك لك الطريق…” قلتها وأنا أبتعد عنه، وأكملتُ بصوت منخفض “المعذرة، صغاري ينادونني.” لكن الهروب منه كان مستحيلا، نظرت لاطفالي ثم عدت للمطبخ ظن مني أنه غادر لكن لم تمر إلا لحظات فقط ولحق بي إلى المطبخ، حيث كنت أحاول إخفاء دموعي خلف صوت تقطيع الخضار، إلا أن يديه دفعتني لمواجهته. “لكن لماذا تبكين؟” سألني بنبرة مشفقة أيدعي أنه يجهل السبب. “لا أدري.” كانت إجابتي صادقة، ففي تلك اللحظة لم أكن أعرف إن كان بكائي بسبب كلماته، أم بسبب الخوف من خسارته، أم بسبب الغضب من ضعفي.

“إذن لماذا عبس وجهك؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى