رسائل

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

سألني مجددا، لكنه لم يحصل على إجابة مختلفة. “وربي، لا أدري.” حاول تهدئتي بلمسة خفيفة على كتفي، وقال “توقفي عن البكاء، أرجوك… كما أن البصل احترق.” “وليلى تبكي أيضا، أين عقلك؟” أجبته بصوت متقطع “آسفة، لم أنتبه.” لكنني لم يستطع الصمت أكثر، التفت إلي، وعينيه تتساءلان بصمت، قبل أن يقول “هل شتت قراري انتباهكِ؟” حاولت أن أبدو غير مبالية، لكنه كان يعرف تماما تأثير كلماته عليّ “لا… أبداً، هذا حقك الشرعي، لا يمكنني منعك.”

ولكن، هل كان هذا هو الجواب الذي أحتاجه؟ أم أنني كنت أبحث عن شيء أكثر دفئا، أكثر إنسانية؟ ذلك النقاش، أو بالأحرى ذلك الاستجواب العاطفي، كان كفيلا بتمزيق ما تبقى من صمودي  كنت أحاول أن أفهم دوافعه، أن أجد سببا مقنعا لكل ما يخطط له، لكن إجاباته كانت تزيد من وجعي. “والآن، قبلتي؟” سألني وكأن الأمر مجرد إجراء بسيط، وكأنه لا يرى العاصفة التي أشعلها في داخلي. نظرت إليه بعينين غارقتين بالحيرة، وقلت

“هل ستعيش معنا هنا؟” “بالطبع، وسأجهز لها غرفة الضيوف.” أجابني بهدوء، يظن أن ما يقوله طبيعي تماما. “وهل ستنام معها؟” سألت، محاولة كبت ارتجاف صوتي. “أكيد.” رد بثقة، دون أن يدرك الطعنة التي شعرت بها. “وهل ستقبلها؟” استمررتُ، وأنا أضغط على نفسي لإكمال هذه الأسئلة التي تحرقني. “نعم.” قالها بلا تردد، وكأنها إجابة بديهية. تجرأتُ أكثر، رغم أن قلبي كان يتفتت مع كل حرف “ستقبلها في وجنتيها؟” نظر إليّ نظرة حائرة، لكنه أجاب

“وفي شفتيها أيضا.” “وهل ستحتضنها؟” أكملتُ، وأنا أشعر أن كل كلمة تخرج من فمي تسحب معها جزءا من روحي. “بكل تأكيد.” هنا، لم أعد أستطيع الصمت. انفجرتُ بما كان يخنقني “وهل ستقترب منها؟” ارتبك للحظة، قبل أن يقول بنبرة دفاعية “ما بكِ؟ ما هذه الأسئلة؟” “وما بي أنا؟!” قلت بصوت مرتجف، وأنا أواجهه بكل ما كتمته داخلي. “ماذا ينقصني أنا؟ هل أنا عقيمة حتى تتزوج عني؟ هل أنا بشعة؟ هل طعامي سيئ؟ هل قصرتُ في حقك يومًا؟ تكلم، ماذا ينقصني؟”

كانت عيناي تبحثان عن إجابة، عن تفسير، لكنه لم يكن يملك سوى كلمات مُهدئة عقيمة. “لا، حاشا… سأشهد أمام الله والجميع أنك نعمة الزوجة، ونعم السند، ونعم المربية…” لكن هل كانت هذه الكلمات تكفي؟ هل كانت تعني شيئا بعدما أعلن بكل بساطة أنه يريد استبدالي بجديدة؟ بينما كنتُ أحاول أن أتماسك، وهو يبرر قراره الغريب، شعرتُ بأنني عالقة في دوامة لا مخرج منها، أبحث عن إجابة، عن تفسير مقنع، لكنه ظل يُلقي بكلمات تزيد من ضبابية الموقف.

“إذن، لماذا تريد الزواج عني؟ لماذا؟” سألتُه، وعيناي تملؤهما أسئلة لا تعد. “هذا حقي الطبيعي.” أجابني بنبرة واثقة، يظن بأنه يُبرر شيئا بديهيا لا نقاش فيه. أومأت برأسي ببطء، محاولة كبح الدموع “أعرف، ولكن لماذا؟” تردد للحظة، قبل أن يقول “لا أدري، أظنني بحاجة…” “بحاجة إلى ماذا؟” ضغطت عليه، وأنا أتمسك بخيط أمل قد يغير مسار الحديث. لكنه، وكعادته مؤخرًا، هز رأسه قائلا “لا أدري.” حينها، لم أستطع منع نفسي من التفوه بما يخالجني

“بحاجة إلى الفراش؟ حسنا، أعدك أني سأهتم بك، فقط رضيعي يشدني عنك الآن وإلا، لن أهملك أبداً.” نظر إليّ بعينين تحملان مزيجا من الإحراج والرفض “لا، أبدا، ليس الأمر متعلقا بالفراش يا زوجتي.” “إذن، ماذا تريد؟” سألته، نبضات قلبي تتسارع على وشك الانفجار. أجاب بنبرة حاول أن يجعلها مُطمئنة، لكنها لم تفعل سوى إثارة المزيد من الشكوك داخلي “فقط أريد أن أتزوجها من باب الإنسانية، هي فتاة فقيرة، وأخوها صديقي يقول إن زوجته ترفض أخته رفضا قاطعا، لذلك طلب مني الزواج منها فقط، لا أكثر.”

شعرتُ للحظة بأنني بين الحقيقة والخيال، صممتُ على أن أكون هادئة، وقلت “حسنا، لنتفق أولا، يسعدني كثيرا أنك تفكر في إسعاد الآخرين، لذلك، تزوجها على الورق فقط، ولا تقترب منها أبداً.” لكن رده كان كالسيف الذي مزق هدوئي الوهمي “لا يمكن، هذا حقها الشرعي، ولا يمكنني حرمانها من الأولاد، يجب أن أكون عادلا بينكما.” شعرتُ بالغضب يتصاعد داخلي كالنار “آسفة، لن أتقبل هذا إطلاقا، إنها مملكتي وحدي، لن أقبل بأن يتم خرقها أبدا.”

نظر إلي بجدية قائلا “لا تكوني متسلطة.” صرختُ في وجهه “نعم، سأكون، حينما يتعلق الأمر بك، سأكون أنانية وبليدة وسيئة جدا.” أدار وجهه، وألقى كلماته الأخيرة دون أن يكترث بما أشعر به “حسنا، المهم أنني أعلمتك وأنا لا أنتظر قبولك أو رفضك.” شعرتُ بالاختناق، لكني استجمعتُ قواي لأقول “إذن، ط.لقني وسآخذ أولادي وأذهب.” بارت 02 كنت أحاول استيعاب كلماته التي لا تزال تُدوي في رأسي، و أشعر بأنني أسير في متاهة لا أرى لها مخرجا، بينما زوجي سرحات، بدا وكأنه قد رسم خارطة واضحة للطريق الذي اختاره دون أي اعتبار لما أشعر به

“حسناً، المهم أنني أعلمتك… لا أنتظر قبولك أو رفضك” قالها بصوتٍ بارد، يظن أن ما يتحدث عنه ليس إلا قرارا عاديا كشراء قطعة أثاث جديدة “إذن ط.لقني، وسآخذ أولادي وأرحل” رددت بصوت متهدج، ورغم ذلك حاولت أن أبدو صلبة، لكن الحقيقة أنني كنت أنزف من الداخل. رفع عينيه نحوي، وبنبرة حازمة، قال “لن أطلقك، لن أبعد أولادي عني.” “إذن تنازل عن فكرة الزوجة الثانية… دعنا نعيش بسلام” قلتها أتشبث بقشة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من حياتنا معا.

لكن سرحات لم يهتز، كان قراره أشبه بصخرة لا يمكن زحزحتها “لقد قررت، وانتهى الأمر” أجابني يغلق الباب أمام أي نقاش. “كيف يعني؟” تساءلت، غير قادرة على تصديق ما أسمعه. “يعني في هذا الأسبوع سأتقدم لها” قالها ببرود، والأمر قد حُسم بالفعل. شعرتُ بالأرض تنسحب من تحت قدمي، حاولت أن أتمسك بشيء، بأي شيء. “ماذااا؟! ماذا تقول أنت؟ يعني أنت جاد؟” سألت بصوتٍ مختنق، بينما عيناي تبحثان في وجهه عن أي تراجع، أي علامة على أنه يمزح.

لكنه أجابني بكل هدوء “نعم، كما سمعتِ وبعد شهر من الآن ستكون هنا، بإذن الله.” “وإذني أنا؟ ألا يهمك؟” سألت وأنا أحاول أن أقاوم رغبة عارمة بالبكاء. “بلى، يهمني ولكن هذا الزواج سيحدث” قالها يثبت لي مجددا أن رأيي لا يزن شيئا في معادلة قراره. عندها لم أتمالك نفسي. “أرجوك، توقف عن قول هذا” توسلت إليه بصوتٍ مخنوق، لكن نظراته بقيت ثابتة، و لم يسمعني. “يا حبيبتي، يجب أن تتقبلي ما أقول”

قالها بنبرة حاولت أن تبدو لطيفة، لكنها كانت تخترقني كسكين. “أي تقبل هذا؟ وأي قول؟ بالكاد أستطيع أن أتنفس من الطعنة التي خرقت قلبي” قلتها بصوت مرتجف، بينما عيناي تفيض بالدموع. هنا، حاول أن يُظهر بعض التعاطف “آسف، ما قصدت جرح قلبك أبدا” قالها يريد تهدئتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى