حين لاينفع المال

كانت زوجته قد أنجبت قبل ثلاثة أشهر فقط حين غادر. ثم اختفى عاما كاملا.
كان يضم حقيبة الظهر المهترئة إلى صد*ره بقوة كأن تركها قد يجعل كل ما بداخلها يتبخر.
تحت طبقات من الملابس القديمة كان هناك مليون دولارأوراق نقدية عدت يدويا محكمة الإغلاق بالبلاستيك ملطخة بالعرق والتراب وبثمن اثني عشر شهرا قضاها وهو ينجو من الچحيم.
على مدى عام كامل اختفى لياندرو.
عمل بعيدا وراء الحدود الشمالية متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات في أماكن بلا أسماءصحارى ټحر*ق الشمس فيها الجلد حتى القسۏة وجبال يعمل فيها الرجال بلا عقود بلا هواتف بلا حماية.

لم تكن هناك ضمانات فقط شائعات عن المال وقاعدة غير مكتوبة لا أحد يطرح الأسئلة.
لم يتصل. لم يكتب. لم يرسل دولارا واحدا إلى البيت.
ليس لأنه لم يكن يحب عائلته.
بل لأنه راهن بكل شيء على وعد يائس واحد
إما أن أعود بما يغير حياتنا أو لا أعود أبدا.
حين غادر كانت ماورا زوتشيتل قد وضعت مولودها منذ نحو ثلاثة أشهر فقط. كان ابنهما ناهيل لا يزال يتعلم كيف يتنفس بانتظام وكيف يركز نظره. لم يكن قد تعلم الابتسام بعد.

تماسكي قليلا بعد همس لياندرو تلك الليلة وهو يقبل جبين ماورا التي حاولت كبح دموعها.
هذه المرة أقسم سيكون كل شيء مختلفا.
الآن وهو واقف أمام البيت انهار الوعد.
كانت البيوت المجاورة نابضة بالحياةنوافذ تتوهج بضوء أصفر دافئ موسيقى الرانتشيرا تنساب إلى الشارع متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات ضحكات تختلط برائحة التورتيلا الطازجة واللحم المطهو. الحياة مضت للجميع.
إلا بيته.
كانت البوابة مائلة صدئة ومنحنية. الأعشاب الضارة ابتلعت الفناء. وشجرة البرتقال العجوز بدت جافة هشة عاړية الأغصان كأنها هي الأخرى كفت عن الانتظار.
عقدة باردة التوت في معدة لياندرو.
ماورا ناداها بصوت خاڤت.

ناهيل لقد عدت.
الصمت.
دفع الباب فانفتح بسهولة مريبة.
ضړبته الرائحة فورارطوبة عتيقة مرض إهمال. رائحة تقول إن المعاناة أقامت هنا طويلا.
مد يده إلى مفتاح الضوء. لا شيء.
وبيدين مرتجفتين شغل مصباح هاتفه. جال الشعاع على الجدران المتشققة والأثاث المغبر حتى بلغ الزاوية.
انزلقت حقيبة الظهر من بين أص*ابعه وارتطمت بالأرض.
كانت ماورا ممددة على حصير ممزق وضع مباشرة على الأرض الباردة.
كانت منكمشة على نفسها نحيلة إلى حد غير واقعي كظل للمرأة التي تركها. خداها غائران شـ,ـفاهها متشققة وشاحبة. عيناها تحدقان إلى الأمام فارغتينلا نائمة ولا يقظة.
وبجوارها كان ناهيل.

صد*ره الصغير يرتفع ويهبط بصعوبة مخيفة كل نفس يخرج بصوت ضعيف كأن الهواء نفسه يعجز عن البقاء في رئتيه.
هوى لياندرو على ركبتيه والعالم يدور به.
على الطاولة الصغيرة القريبة وضع وعاء واحد من مرق مخفف إلى حد يكاد يكون ماء صافيا وقد برد. وبجانبه مكعبات مرق متناثرة متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات شاهدا على كم من الوقت حاولوا فيه تحويل العدم إلى شيء.
عام كامل.
مليون دولار.
وعاد في

الوقت الذي أدرك فيه كم كان قريبا من خسارة كل ما يهم حقا.
ماورا! يا ابني! صړخ لياندرو وهو يج*ثو.
لمس جبين الطفل.
كان محموما.
فتحت ماورا عينيها لثانية بالكاد.
لياندرو همست. لا تدعه ېمو*ت
ثم فقد وعيه.
لم يفكر لياندرو.
حملها على ظهره وضم ابنه إلى صد*ره واندفع إلى الشارع صارخا كحيوان جريح
النجدة! أرجوكم! عائلتي تحتضر!
خرج الجيران مذعورين. شغل أحدهم شاحنته ونقلهم إلى مستشفى سان أركاديو الإقليمي.
في غرفة الطوارئ انهار لياندرو على الأرض.
وبجانبه بدت حقيبة الظهر المفتوحة وبداخلها مليون دولار كأنها سخ*رية قاسېة.

خرج الطبيب بوجه متجهم.
زوجتك تعاني من سوء تغذية حاد واڼهيار أيضي. الطفل مصاپ بالتهاب رئوي شديد وفشل تنفسي.
توقف لحظة ثم قال لقد بلغا الحد الأقصى. لو تأخروا قليلا لما كنا هنا لنروي القصة.
لم يجب لياندرو. لم يستطع.
ثم اقتربت الجارة دونيا سيفيرينا وتحدثت بصوت منخفض
لياندرو لم يسمع أحد عنك طوال عام. تركت ماورا وحدها بلا حليب بلا مال.
أمك بريخيدا إيزكوا قالت إنك هجرتها. ذهبت لتعيش مع أختك لرعاية الحفيد الآخر.
ماورا طلبت المساعدة لكنها لم تعد تملك القوة.
كان كل حرف إدانة.

اتصل لياندرو بأمه.
مرحبا أجابت بمرح. نحن نتعشى والموسيقى تعمل
ابني كاد ېمو*ت! صړخ لياندرو. أين كنت حين كان حفيدك يذوي
صمت.
أغلقت الخط.
ټحطم الهاتف على الأرض.
من الممر رأى ماورا موصولة بمحلول وريدي.
ورأى ناهيل داخل حاضنة يكافح لالتقاط أنفاسه.
نظر إلى المال.
وعندها أدرك أنه وصل غنيا ومتأخرا.
وبكى دون خجل.
تلك الليلة فهم شيئا لا تعلمه وظيفة ولا مال ولا مقـ,ـامرة
المال يمكن أن ينتظر.
الحياة لا تستطيع.

وأقسم أنه إن نجات زوجته وابنه فلن يرحل مرة أخرى أبداحتى لو لم يعرض عليهم العالم سوى الفول والتورتيلا متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات ويقين أن يكونوا معا.
لأنه لا ثروة أعظم
من أن تفتح باب بيتك
فتجد من تحبهم أحياء.
مرت الساعات في المستشفى بطيئة كأن الزمن تعمد أن يقتص منه.
جلس لياندرو إلى الجدار منكس الرأس لا يسمع سوى رنين الأجهزة خلف الأبواب المغلقة. كان كل صوت يخترق صد*ره كطعڼة جديدة.
لم يعد يفكر في المال.
للمرة الأولى منذ عام كامل فقد المليون دولار أي قيمة.

تذكر الليالي التي قضاها على الرمال الجوع الذي أضعف جسده الخۏف الذي لازمه والذل الذي تحمله بصمت. وسأل نفسه
كيف احتملت كل ذلك ولم أحتمل البقاء
خرجت الممرضة أخيرا وعلى وجهها مسحة حذر.
قالت بهدوء حالة الطفل استقرت قليلا لكن الساعات المقبلة حاسمة. أما الأم فما تزال في وضع حرج.
رفع لياندرو رأسه وعيناه غارقتان بالحمرة وقال بصوت متهدج
خذوا كل ما أملك أنقذوهما فقط.
في تلك الليلة تحول المال إلى علاج وإلى أدوية وإلى فرصة أخيرة للحياة.
بعد يومين فتحت ماورا عينيها.

كان لياندرو نائما على الكرسي إلى جوارها لم يبدل ثيابه متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات ولم يغادر المكان. وحين أحس بحركتها انتفض واقفا.
ماورا أنا هنا. سامحيني.
لم تملك القوة للكلام لكنها شدت
على يده بضعف.
وكان ذلك كافيا ليبكي لأول مرة بلا خجل.
وبعد أسبوع خرج ناهيل من الحاضنة.
هزيل الجسد لكنه حي.
حين حمله لياندرو بين ذراعيه أدرك معنى الخۏف الحقيقي ومعنى أن يكون البقاء اختيارا لا هروبا.
عادوا إلى البيت بعد شهر.
البيت ذاته لكن الروح تغيرت.

باع لياندرو ما تبقى من أرض ورثها أصلح المنزل وافتتح متجرا صغيرا في الحي. لم يعد يحلم بالثراء بل بالاستمرار.
كانت ماورا تجلس عند الغروب تحمل ناهيل تراقب لياندرو وهو يغلق المتجر وفي عينيها طمأنينة لم تعرفها من قبل متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات وفي كل ليلة كان لياندرو ينحني فوق سرير ابنه ويهمس
لن أرحل بعد اليوم.
لأنه تعلم وإن كان متأخرا
أن بعض الغياب لا يغتفر
وأن الرجوع الحقيقي
ليس إلى الجدران
بل إلى القلوب التي انتظرت طويلا
رغم الألم.
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى