وعد الصعيدي مايا خالد

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات

وفضل مراقبها من بعيد لبعيد. شافها بتنضف الخضار، وبترش الحوش بالماية قبل المغرب عشان البرودة، وبقت يدها في يد أمه في كل حاجة. الحاجة آمنة مكنتش بتبطّل كلام عنها قدامه:
يا عاصم يا ولدي، البنية دي رزق.. رقيقة وحسيسة، وبقت زي بنتي اللي مخلفتهاش، بس عينيها فيها غيمة حزن مابتفارقهاش واصل شوف حكايتها وحلها زي عادتك يا ولدي. عاصم: حاضر ياست الكل هشوف مشكلتها وأحلها.

في يوم، عاصم دخل المطبخ فجأة وهي كانت لوحدها بتغسل المواعين. اتنفضت لما شافته، والصحن وقع من يدها اتكسر.
أنا.. أنا أسفة يا عاصم بيه، مكنتش أعرف إنك هنا.
قرب منها عاصم بخطوات هادية، ونظرة عينه كانت غريبة.. فيها حنية ممتزجة بحدة:
عاصم بس يا مايان.. مفيش بيه بيني وبينك. وإنتِ هنا مش خدامة، إنتِ هنا ضيفة.
مايان وشها جاب ألوان، وقلبها بدأ يدق بسرعة. الكرم اللي شايفاه منه ومن أهله بيخلي السر يتقّل على قلبها أكتر. كانت حاسة إنها بتخدعهم، إنها لو قالت الحقيقة عاصم هيرميها بره الدوار، أو رعد هيوصلها ويكمل كسرها وهي يتيمة.

عاصم كمل كلامه وهو عينه في عينها:
أنا بعتّ ناس القاهرة يسألوا عليكي.. عرفت إنك يتيمة وبتشتغلي سكرتيرة في عيادة، وإنك متميزة وشاطرة.. بس لسه معرفتش إيه اللي يخلي رعد الصاوي يقلب الدنيا عليكي ويقول إنك ضيفته؟ رعد مبيعملش واجب مع حد يا مايان، إلا لو كان وراه مصلحة.. قوليلي يا بت الناس، إيه اللي مخبياه في عينيكي؟
مايان بدأت تترعش، والدموع بدأت تتجمع في عينها. عاصم قرب خطوة كمان، ويدُه القوية لمست كتفها براحة كأنه بيطمنها:
انطقي.. أنا حلفت أحميكي، والكلمة عندي عقد.

مايان مكنتش قادرة، بس كانت خايفة من حبه اللي بدأ يكبر وهي حاسة إنها بدأت تحبه وشايفه في عينه هو كمان أعجاب.
سكتت وهي بتبكي بصوت مكتوم، وعاصم كان واقف قدامها زي الجبل، بيحاول يفهم السكوت ده وراه إيه، وهو مش عارف إن السكوت ده هو اللي هيهد الجبل ده بعدين.

عاصم بدأ يشوف فيها سكنه، وهي بدأت تشوف فيه الأمان اللي عمرها ما عرفته، بس خايفه تلمسه.
فات شهر، وبقت مايان جزء من روتين الدوار. عاصم كان بيحب يراقبها وهي مش واخدة بالها. في يوم، كانت الدنيا شتا والجو برد واصل في الصعيد، عاصم رجع من الغيط ولقى مايان قاعدة في ركن في الحوش، وماسكة قميص من قمصانه كانت الخية بتاعته مقطوعة، وبتحاول تخيطه بتركيز والبرد منشف صوابعها.
وقف عاصم يراقبها، كانت بتنفخ في صوابعها عشان تدفيهم وترجع تكمل خياطة. قلب الكبير رقّ، قرب منها وقال بصوت واطي:
سيبي اللي في يدك ده يا مايان..

البرد في الحوش يِكسر العضم، قومي ادخلي جوه جِوار الفرن.
مايان اتخضت ورفعت عينها، لمعة الإعجاب في عين عاصم خلت وشها يورد رغم البرد:
خلاص يا عاصم، غرزتين وهخلص.. القميص ده غالي عندك، الحاجة آمنة قالتلي إنك بتحب تلبسه في القعدات الكبيرة.
عاصم ابتسم، ودي كانت نادرة، وطلع الشال الصوف اللي على كتفه وحطه على كتافها هي.. الشال كان فيه ريحته، ريحة أرض وهيبة. مايان حست بدفا غريب، دفا واصل لقلبها.
دفي كتافك.. والقميص فداكي، لو باظ نشتري غيره، بس إنتِ ميتعوضش تعبك.
مايان بصت في الأرض، الكلمة كانت كبيرة وقوية.

عاصم حب يشيل التوتر، فبدأ يسألها عن حياتها في مصر، عن وحدتها، وعن أحلامها اللي اتسـ,ـرقت. كانت بتحكي وهو بيسمع بقلبه قبل ودنه، لقى نفسه بيوعد نفسه إن اليتيمة دي مش هتعرف طعم اليتم تاني طول ما هو عايش.
وفي ليلة تانية، عاصم تعب شوية من نزلة برد شديدة. الدوار كله اتقلب، والحاجة آمنة كانت تعبانة مش قادرة تقف. مايان هي اللي سهرت جنبه، كانت بتعمله كمادات وتغيرله الماية طول الليل وهو غايب عن الوعي.
في لحظة، عاصم فتح عينه نص فتحة، لقى إيدها الناعمة على جبهته، وشعرها نازل على وشها بتعب. مسك إيدها وهو مش دريان، وقال بهمس:

متمشيش يا مايان.. خليكي هنا.. الدوار من غيرك ملوش طعم.
مايان قلبها كان هيقف، عيطت في صمت وهي بتبوس إيده من غير ما يحس:
يا ريت ينفع أفضل يا عاصم.. يا ريتني كنت نظيفة كفاية عشان أليق بيك.
عاصم فاق الصبح، لقاها نايمة على الكرسي جنبه من التعب. بصلها بحب حقيقي، حب ملوش علاقة بالشفقة. بقى بيخلق أعذار عشان يكلمها، يطلب منها تعمل له القهوة مخصوص، يطلب رأيها في لون دهان في المندرة الجديدة.. كان بيحسسها إنها ست البيت مش مجرد ضيفة.

لكن وسط كل ده، كان رعد زي الخيال الأسود، بيظهر في أحلامها، ويظهر في نظرات رجالته اللي بيعدوا من قدام الدوار كل يوم. هي كانت بتمـ,ـوت من جوه، كل ما عاصم يقرب خطوة، هي ترجع خطوتين بخيالها، خايفة إن الحلم ده ينتهي بكابوس اسمه الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى