وعد الصعيدي مايا خالد

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات

مايان حطت مفتاح أوضتها على التربيزة اللي جنبه، الرنة بتاعة المفتاح كانت كأنها حكم إعدام في ودن عاصم. هو مغمضش عينه، ولا اتحرك، بس ملامحه اتشنجت وكأنه بيبلع جمرة نار.
مايان لفت ضهرها ومشت ناحية الباب، وفي كل خطوة كانت بتستنى إيده تمسك كفتها، أو صوته ينادي اسمها. لكن عاصم فضل مكانه، صامت صمت القبور.. صمت صعيدي مبيعرفش يسامح الوجع، حتى لو كان بيعشق صاحبه.
أول ما رجليها خطت عتبة الدار، عاصم غمض عينه بقوة، ونزلت دمعة واحدة وحيدة، تاهت وسط تجاعيد وشه الناشفة. مايا خالد بيدج قصص الحياة
الصبح طلع، والبيوت كانت لسه نايمة لما وصلها للمحطة.

مشي وراها بمسافة، شايل شنطتها بجمود. القطر صفر، ووقف بضجيجه اللي غطى على أنفاسهم المخنوقة. حط الشنطة على الرصيف، وبص في الفراغ.. مايان طلعت القطر، وقعدت ورا الشباك، بصلته بصه أخيرة وهي بتمسح دموعها، وهو فضل واقف زي النخلة، رافع راسه للسما، وإيده في جيبه ضاغطة على منديل كانت هي سيباه في المندرة.
القطر تحرك، وعاصم ملوحش بيده، ولا نطق بكلمة.. فضل واقف مكانه لحد ما القطر بقى نقطة في الأفق، ولف ضهره ورجع للدوار اللي مابقاش فيه غير ريحة وجعهم.
دخل عاصم الدوار والسكوت فيه بقى ليه صدى، كأن الحيطان نفسها بتلومه.

رمى شاله على الكنبة وقعد، حاطط راسه بين يديه، والدار اللي كانت بتشيل مية راجل، بقت في عينه أضيق من خرم الإبرة.
أبوه الحاج هواري كان قاعد في ركن المندرة، بيراقب ابنه من تحت لتحت، وكأنه شايف جبل بينهار قدامه. الحاجة آمنة دخلت بقلب الأم المحروق، بصت لمكان مايان الفاضي وقعدت قدام عاصم ونطقت بصوت كله عتاب:
هانت عليك يا ولدي؟ هانت عليك العصفورة اللي لقت في دارك الأمان، تطردها في وش الفجر وكأنها عملت مِعيرة؟
عاصم مرفعش راسه، ورد بصوت مخنوق ومكتوم:
محدش طرد حد يا أما.. هي اللي اختارت، والبعد أستر ليها ولينا.

الحاج هواري خبط بعصايته الأرض خبطة رنت في الدوار كله، وقال بصوته الجهوري:
أستر لمين يا عاصم؟ للناس اللي هتلوك في سيرتها وتقول سابها ليه بعد ما جاب حقها؟ ولا لقلبك اللي إنت كاسره بيدك؟ البنية يتيمة يا ولدي، واليتم مكنش في مـ,ـوتها أهلها بس.. اليتم الحقيقي لما اللي عشقته يرميها لغدر الطريق وهي مكسورة الجناح.
عاصم قام وقف، والنار قادت في عينه:
يا بوي أنا صعيدي! أنا اللي لمس طرف توبها رعد! رعد اللي بينا وبينه دم وغدر.. كل ما أبص لها بشوفه هو، بشوف مده يده عليها، بشوف عجزي إني مكنتش موجود في اللحظة دي..

ناري مش راضية تبرد واصل!
أبوه بص له نظرة حكمة وقال ببرود:
نارك مش راضية تبرد عشان إنت ظالم.. رعد أخد حقيرة من جسمها وغسلته إنت بالدم، لكن إنت يا عاصم بتاخد حقيرة من روحها وجاي تغسلها بالجفا. رعد كان عدوها، لكن إنت كنت أمانها.. والكسرة من الأمان بتقـ,ـتل يا ولدي.
مر شهر.. وعاصم زي السبع الجريح. مابقاش يضحك، مابقاش يروح الغيط بقلب، بقى يهرب من أوضته ويقعد في المندرة بالساعات، عينه على الكرسي اللي كانت بتقعد عليه وهي بتخيط قميصه.

ريحة عطرها لسه ثابتة في الشال اللي رفض ياخده منها، وبقى كل يوم يمسكه ويشمه بوجع ملوش آخر.
بقى يصحى بالليل على صوت نهجها وهي بتجري في الغيط في حلمه، يقوم يدور عليها في الدوار يفتكر إنها مشيت. السرير بقى جمر، والأكل بقى علقم. لحد ما في ليلة، الحاجة آمنة دخلت عليه لقته ماسك المنديل بتاعها ودموعه نازلة في صمت.
قربت منه وطبطبت على كتفه:
القلب اللي بيعشق مبيعرفش يكره يا عاصم.. وإنت قلبك دايب. سافر يا ولدي.. سافر ولم اللي كسرته، الصعيد هيبته في الحق، والحق بيقول إنها ملهش ذنب، والرجولة بتقول إنك متسيبش حمالك للريح.

عاصم رفع عينه لأمه، وكانت المرادي فيها قرار. قام غسل وشه، ولبس أغلى جلباب عنده، وخد مفتاح عربيته.
أنا مسافر يا أما.. مسافر أجيب اللي ضيعته بجهلي.
دخل عاصم العيادة، الهيبة هي هي، بس العين فيها انكسار ميتداريش. أول ما شافته، سابت اللي في يدها واتجمدت مكانها. مفيش سلام، ولا كلام، ولا كيفك.
عاصم وقف قدام المكتب، مد يده وطلع مفتاح الدوار وحطه قدامها على المكتب بجمود.
مايان بصوت مخنوق: جاي ليه يا عاصم؟
عاصم وعينه في عينها المرادي: جيت أرجع الأمانة لصاحبتها.. الدوار اتقفل يا مايان، ومحدش معاه المفتاح ده غيرك..

يا تعاودي تفتحيه، يا يفضل مقفول على اللي جواه لحد ما نمـ,ـوتوا.
مايان ضحكت بوجع، وزقت المفتاح ناحيته بصباع واحد:
فات أوان الحماية يا كبير الهوارية.. أنا هنا بدأت أعيش، وبدأت أنسى إن كان ليا سكن في يوم.
عاصم ملمش المفتاح، فضل باصص لها بنظرة فيها فقدان أمل حقيقي، نظرة راجل جاب آخره:
حقك.. وحقي إنك تعرفي إني سجنت رعد بأعماله الشمال وشره، بس معرفتش أمحيكي من عقلي دقيقة واصل.. أنا مش جاي أتحايل، أنا جاي أقولك إن القطر اللي ركبتيه، خد روحي معاه.
لف ضهره ومشي بخطوات تقيلة، محاولش يجادل ولا يبرر.

ركب عربيته وفضل واقف قدام العيادة.. مش يوم، ولا اتنين.. عاصم خيّم قدام بابها.
بقى كل يوم مع دقة الساعة تمانية الصبح، يوصلها بقلبه قبل عينه، ومع خروجها، يفضل ماشي وراها بعربيته لحد باب بيتها من غير ما ينطق حرف.
يوم.. ورا يوم.. ورا يوم.. شهر كامل وعاصم غفير على بابها في عز برد القاهرة، لا بيكلمها ولا بيقرب منها، بس موجود كأنه ضِلها.
لحد ما في ليلة، الدنيا كانت بتمطر مطر واعر، وعاصم واقف ساند على عربيته، الجلباب اتبل وبقى يقطر ماية، وهو واقف زي النخلة مبيتهزش.

مايان كانت واقفة ورا شباك بيتها بتراقبه، قلبها كان بيتقطع وهي شايفاه بيذل كبريائه ووجاهته عشان خاطرها.
نزلت له، وقفت قدامه وهي بتترعش من البرد والدموع:
هتمـ,ـوت من البرد يا عاصم.. إمشي وارجع لبلدك، ملوش عوز اللي بتعمله ده!
عاصم رفع عينه ليها، كانت حمرة ومنتهية من التعب، رد بصوت هادي وناشف:
مـ,ـوت البرد أهون من مـ,ـوت القهر يا مايان.. أنا مش هتحرك من هنا، يا تفتحيلي قلبك، يا يلموني جثة من قدام بابك.
سكتت مايان، والاتنين فضلوا باصين لبعض وسط المطر..

مفيش كلام، بس الكسرة اللي في عين عاصم كانت بتقول إن الدرس اتعلم، وإن الجبل المرادي هو اللي انحنى قدام العصفورة.
بعد محايلات، وبعد ما عاصم داب قدام بابها، وافقت مايان ترجع.. مش عشان سامحت تماماً، بس لأن قلبها ملقاش وطن غيره. رجعت الدوار في صمت، واتعمل فرح يليق بـ ست الدار، بس عاصم كان بيتعامل معاها بـ حرص وخوف، كأنه شايل حتة كريستال مكسورة وخايف يلمسها تجـ,ـرحه أو تزيد كسرها.
ليلة الدخلة، عاصم كان قاعد في ركن الأوضة، وشه للأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها.

الوجع والشك القديم كان لسه مضلل على روحه، كان خايف يلمسها فيفتكر رعد، وخايف يقرب منها فيشوف في عينها الكسرة.
قال بصوت مبحوح:
مايان.. إنتِ عارفة إني رايدك واصل، وعارفة إني جيبت حقك.. بس أنا مش هلمس منك شعرة غير لما تحسي إنك نضفتي من جواه من أي وجع.. أنا واخدك سكن، ومش عاوز أكون حمل عليكي.
مايان مكنتش بتتكلم، كانت بتبصله بدموع محبوسة، وقربت منه بهدوء وحطت يدها على كتفه. ومع أول لمسة، داب التلج، وانفجر بركان الوجع والشوق اللي كان مكبوت شهور.
وفجأة.. في وسط السكون، الدنيا وقفت.

عاصم اتنفض مكانه، عينه برقت بذهول ملوش وصف، بص لـ مفرش السرير الأبيض اللي اتلون بلون النصر.. لون الشرف اللي رعد كان بيحاول يلوثه بالكدب بل كان عايز يكسرها وفشل.
عاصم لسانة اتلجم، وبص لمايان اللي كانت بتعيط بذهول هي كمان، مكنتش تعرف إنها لسه بنت.. كانت فاكرة إن رعد ضيعها فعلاً في اللحظة الغابرة دي.
عاصم بصوت مش طالع: مايان.. إنتِ.. إنتِ لسه بكر؟! يا مري.. يا سواد دنيتي يا عاصم! رعد الكلب كان بيكدب؟! إنتِ كنتِ صاينة نفسك طول الشهور دي وإنا كنت بدبحك بظني؟!
مايان انهارت في حـ,ـضنه، والشهقات كانت بتطلع من ضلوعها:

والله ما كنت أعرف.. والله كنت فاكرة إني ضعت.. يا عاصم أنا شريفة! أنا لسه ملكك لوحدك!
عاصم في اللحظة دي اتجنن، الفرحة والندم خلوه زي المغيب. قام وقف بكل طوله، ودموعه نازلة زي المطر، سحب المنديل الأبيض ورفعه للسما وهو بيصرخ بأعلى صوت عنده في قلب الدوار:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى