أنا اسمي سلمى… ومن أول يوم دخلت فيه بيت جوزي، وأنا حاسة إني مش مرتاحة. مش خناقات… مش مشاكل واضحة… لا، بالعكس… كل حاجة هادية بزيادة. الهدوء اللي يخوف. حماتي “مدام فايزة” ست شيك، بس عينيها دايمًا فيها خوف… خوف مش مفهوم. حمايا “الحاج جلال” صوته قليل، بس حضوره تقيل… يخليك تحس إنك لازم تاخدي بالك من كل كلمة. أما “مروان” جوزي… فكان دايمًا يقول جملة واحدة: “متدخليش نفسك في حاجة… عيشي وخلاص.”
عدّى أول شهر… وبعده التاني… وبدأت ألاحظ حاجات غريبة: حماتي بتتوتر أول ما حمايا يدخل محدش بيقعد على الترابيزة غير لما هو يقعد وكل حاجة في البيت بتمشي على مزاجه… حتى النفس! مرة سألت مروان: “هو باباك كده دايمًا؟” بصلي بحدة وقال: “خلّيكي في حالك يا سلمى.” ومن ساعتها… سكت. بس جوايا ما سكتش. لحد الليلة دي… صحيت على صوت خبط خفيف… بصيت جنبّي، مروان مش في السرير. قمت أدور عليه…
لحد ما لقيت نور خافت طالع من أوضة حماتي وحمايا. قربت… وقلبي بيدق بعنف. واللي خلاني أقرب أكتر… صوت حماتي وهي بتعيط. وقفت قدام الباب… وقربت عيني من الشق… وشوفت اللي عمري ما كنت أتخيله. حماتي كانت على الأرض… وشعرها مفكوك، ووشها مليان دموع. حمايا واقف فوقها وبيقول بصوت مرعب: “فاكرة إنك هتفتحي بقك؟! بعد كل اللي عملتهولك؟!” وقتها… قلبي وقع. بس الصدمة الأكبر… مروان. كان واقف… بيتكلم معاهم… ووشه جامد.
“لو اتكلمت… كلنا هنضيع.” اتراجعت لورا وأنا مش مستوعبة… إيه “كلنا هنضيع” دي؟! رجعت الأوضة… وأنا برتعش. ولما مروان دخل بعد شوية… عملت نفسي نايمة. بس من اللحظة دي… أنا قررت أعرف الحقيقة. تاني يوم… بدأت أراقب. فتشت… دورت… لحد ما في يوم، وأنا بنضف… لقيت درج مقفول في أوضة المكتب. كسره كان غلطة… بس كانت لازم تتعمل. ولما فتحته… الدنيا وقفت. ورق… تقارير… صور… وشهادة ميلاد… باسم “مروان جلال”…
بس الأم؟ مش مدام فايزة. اسمي أنا اتسحب من تحت رجلي… فتحت باقي الورق… لقيت الحقيقة اللي كانت مستخبية سنين: مدام فايزة مش أم مروان دي كانت خدامة في البيت زمان الحاج جلال اتجوزها بعد ما “مراته الحقيقية” اختفت فجأة ومروان… كان شاهد على كل حاجة وهو صغير يعني إيه اختفت؟! كملت قراية… ولقيت جملة في تقرير قديم: “الزوجة الأولى… تم الإبلاغ عن اختفائها في ظروف غامضة.” جسمي كله ساقع…
هل…؟! في اللحظة دي، الباب اتفتح. مروان واقف… وباصصلي على الورق في إيدي. قال بهدوء مرعب: “كنتي لازم تفضلي ساكتة.” بصيتله وأنا ببكي: “إيه اللي حصل؟! أمك فين؟!” سكت شوية… وبعدين قال: “أمي… حاولت تمشي وتفضح كل حاجة… وأبويا… خلى الموضوع يختفي.” اتصدمت. “يعني إيه يختفي؟!” رد بصوت مكسور أول مرة: “أنا كنت طفل… شُفت كل حاجة… ومن ساعتها… وأنا ساكت عشان أعيش.” صرخت فيه: “وأمك التانية؟!” قال: “اتجوزها عشان تفضل ساكتة… وهو لحد النهارده بيهددها بنفس السر.”
ساعتها فهمت… البيت ده… مش بيت. ده سجن. قولتله وأنا بجمع هدومي: “أنا مش هعيش هنا يوم كمان.” مسك إيدي وقال: “لو مشيتي… هتأذي نفسك.” بصيتله بثبات: “أنا لو فضلت… هموت بالبطيء.” ومشيت. بلغت الشرطة… وقدمت كل الورق. التحقيق اتفتح من جديد بعد سنين. ومع الضغط… الحقيقة ظهرت: تم إثبات إن الزوجة الأولى اتعرضت لجريمة الحاج جلال اتحبس ومدام فايزة أخيرًا اتكلمت أما مروان… اختفى من حياتي تمامًا. سمعت بعدين إنه سافر…
يمكن هرب من نفسه. وأنا؟ أنا اتكسرت… آه. بس خرجت في الوقت الصح. النهاية… مش كل الأسرار ينفع نعيش معاها… وفي بيوت، النجاة منها… هي الانتصار الحقيقي.
الجزء التاني: “رجع… بس مش علشان يصلّح… رجع علشان يخلّص اللي بدأه”
عدّى سنتين…
كنت بدأت أقف على رجلي بالعافية…
شغل جديد… حياة هادية…
وكل يوم بحاول أنسى.
بس في حاجات…
مش بتتنسى.
في ليلة شتوية…
كنت راجعة البيت متأخرة…
حسّيت إن في حد ماشي ورايا.
سرّعت خطواتي…
بس الصوت كان ورايا لحد باب العمارة.
لفّيت…
واتجمدت.
مروان.
واقف… نفس النظرة… بس أهدى… أخطر.
قال بهدوء:
“وحشتيني.”
ضحكت بسخرية:
“ولا حتى في أحلامك.”
قرب خطوة:
“أنا جيت أصلّح كل حاجة.”
بصيتله بجمود:
“إنت آخر واحد يتكلم عن التصليح.”
سكت لحظة… وبعدين قال جملة خلت الدم يجمد في عروقي:
“أبويا مات.”
اتصدمت…
“مات؟!”
هز راسه:
“مات قبل ما يتحاكم… بس قبل ما يموت، قاللي كل حاجة… بالتفصيل.”
قلبي بدأ يدق بعنف…
“كل حاجة؟”
قرب أكتر… وهمس:
“حتى الحاجة اللي إنتِ لسه ما تعرفيهاش.”
رجعت خطوة لورا:
“تقصد إيه؟!”
بصلي بنظرة غريبة… وقال:
“أمي… ما ماتتش لوحدها.”
حسيت الأرض بتلف…
“يعني إيه؟!”
قالها بمنتهى البرود:
“أنا كنت هناك.”
ساعتها…
حسيت إني اتكسرت تاني… بس المرة دي للأبد.
“إنت… إنت شاركت؟!”
سكت لحظة… وبعدين قال:
“كنت طفل… بس كنت فاهم…
وأبويا علّمني إن اللي يشوف… ويسكت… يبقى جزء.”
صرخت فيه:
“إنت مريض!”
رد بهدوء مرعب:
“لا… أنا بقيت شبهه.”
حاولت أهرب…
بس مسك إيدي بعنف:
“استني… أنا لسه ما خلّصتش.”
“جاي ليه؟!”
بصلي في عيني وقال:
“علشانك.”
خفت…
“أنا؟!”
ابتسم ابتسامة مرعبة:
“إنتِ الوحيدة اللي كسرتي القاعدة… واتكلمتي.”
قلبي وقع…
“إنت عايز إيه؟!”
قال بوضوح:
“أقفل الملف… للأبد.”
في اللحظة دي…
فهمت كل حاجة.
جريت…
وهو ورايا.
وصلت الشارع… العربيات معدية… صوتي بيعلى…
بس محدش فاهم.
وفجأة…
إيده شدتني بقوة.
“كان ممكن تعيشي في سلام…”
بصيتله وأنا بصرخ:
“السلام معاك كان موت!”
وفي لحظة…
العربية خبطت.
كل حاجة سكتت.
…
بعد كام يوم…
الخبر كان بسيط في الجرايد:
“حادث مأساوي يودي بحياة شاب وفتاة.”
لكن الحقيقة؟
ما كانتش حادثة.
مروان…
اختار يموتني معاه.
علشان السر…
يفضل مدفون.
النهاية…
في قصص… نهايتها مش نجاة…
نهايتها إن الحقيقة تظهر… بس متلحقش تنقذ حد.

