في ليلة فرحي… طليقي رجع بطفل حكاوي ديدا الشهاوي

فرحي كان مثالي… لحد اللحظة اللي طليقي ظهر فيها فجأة ومعاه طفل. والكلام اللي همسه في ودني خلاني أسيب كل حاجة وراهري. الطحالب الخضرا كانت متدلية من شجر البلوط قدام كنيسة سانت جون، عاملة زي دانتيل مقطوع وبتتحرك مع هوا سافانا الرطب. جوا الكنيسة، الريحة كانت زنابق وشمع غالي. كنت واقفة قدام مراية طويلة في أوضة التحضير، لابسة فستان أوف وايت تحفة. “يا ليلى، بطلي تحبسي نفسك… هتغمى عليكي قبل ما تقولي موافقة”، قالت سارة وهي بتظبط الدانتيل على كتفي.

ابتسمت بالعافية… ابتسامة مكسورة. كريم كان الراجل اللي أي بنت في القاهرة تحلم بيه… ثابت، غني، وبيحبني بحب هادي زي بطانية دافية. بعد النهاية المدمرة لجوازي من آدم من سنتين، كريم كان الأمان اللي كنت محتاجاه. بس أول ما صوت الأورج بدأ، بطني اتقبضت. مكنش توتر عادي… كان إحساس زي كأني بدوس فوق قبر. المراسم كانت جميلة جدًا. كريم كان باصصلي كأني النور الوحيد في الدنيا. الشيخ قال اللحظة المهمة:

“لو في حد عنده سبب يمنع الجوازة دي، يتكلم دلوقتي أو يسكت للأبد.” كلام بنسمعه في الأفلام بس… ومش بيحصل في الحقيقة. لحد ما باب الكنيسة التقيل اتفتح… نور الشمس دخل وورا النور كان في ظل راجل طويل. قلبي ما دقش بس… ده وقف. أنا عارفة الوقفة دي… وعارفة الطريقة دي. آدم. الناس همهمت بصدمة. أمي وقعت الورقة من إيدها. إيد كريم اللي كانت ماسكة إيدي بردت فجأة. آدم ماكانش لوحده… كان ماسك إيد طفل صغير عنده حوالي أربع سنين، شعره منكوش وعينيه زرقا بشكل يخوف من كتر ما أنا عارفاها. شكله مرهق، وبدلته مكركبة كأنهم سافروا مسافة طويلة.

آدم ما عملش مشهد… مشي بس بهدوء لحد ما وقف قريب من المذبح. “ليلى…” قالها بصوت مبحوح. “أنا مش جاي أخرّب يومك… أنا جاي عشان هو ملوش حد غيري.” كريم اتقدم وقال بغضب: “آدم، اطلع بره حالًا… أنا هطلب الأمن.” آدم تجاهله وبصلي أنا بس. قرّب، وللحظة حسيت بريحة خشب الصندل والمطر… نفس الريحة القديمة. وبعدها همس في ودني: “الولد ده… مش ابني. ده ابن أختك.”

الدنيا لفت بيا. أختي ندى كانت ماتت في حادثة عربية من 3 سنين… أو ده اللي اتقال. عمرنا ما لقينا الجثة في الترعة. أهلي عملوا جنازة من غير تابوت وقالوا الحزن أكبر من إنهم يفتحوه. “إيه؟” قلتها بصوت ضعيف. “هي ما ماتتش يا ليلى… هما خبّوها. وهي بعتت الولد يدور عليكي قبل ما… قبل ما يبقى متأخر. هو معايا بقاله يومين. والشرطة جاية تاخده. بيتي محاصر. لو ما جيتيش دلوقتي، هيدخلوه دار أيتام ومش هتشوفيه تاني.”

بصيت للطفل… مد إيده الصغيرة وقال اسم ما حدش قالهولي من سنين… اسم كانت أختي بس بتناديني بيه: “لولو… ساعديني؟” بصيت لكريم… كان بيزعق وبيطلب النظام، كأنه غريب عني. وبعدين بصيت للطفل… دمي… روح أختي اللي افتكرتها ماتت. ما فكرتش… ما اعتذرتش. مسكت طرف فستاني الحرير، قلعت الكعب، وجريت. جريت من جنب أمي وهي بتصرخ، وعديت الشيخ، وخرجت ورا آدم للشمس. ركبنا عربيته القديمة، وهو ضغط بنزين بسرعة. “رايحين فين؟” قلت وأنا بحاول أظبط الفستان.

بص في المراية وقال بجدية: “المكان الوحيد اللي أهلك ما يقدروش يوصلوله. وعلى فكرة… كريم مش بس خطيبك… ده المحامي اللي مضى على أوراق اختفاء أختك.” نفسي اتخنق. بصيت ورايا للكنيسة… سبت حياتي المثالية، مع واحد كنت فاكرة إني بكرهه، عشان أنقذ طفل ما كنتش أعرف إنه موجود، من مؤامرة يقودها الراجل اللي كنت هتجوزه. بس وأنا معاه… لأول مرة من سنتين، ما حسّتش بالأمان… حسّيت إني عايشة… وخايفة. لأني اكتشفت إن آدم كان بينزف من رصاصة في جنبه.

الجزء التاني: مستنقع الأسرار عربية آدم كانت بتهتز وإحنا داخلين على طريق ترابي وسط المستنقعات بره سافانا. العشب الطويل كان بيخبط في العربية زي صوابع عضم. “آدم! إنت بتنـزف!” صرخت. “مش مهم… الولد… يوسف… شوفي الشنطة بتاعته… في البطانة”، قال وهو بيتعب. خدت الطفل في حضني… كان ساكت وخايف. فتحت الشنطة، لقيت فلاشة وصورة مكرمشة. الصورة كانت لأختي ندى… ضعيفة وشعرها قصير، بس بتبتسم. واقفة قدام مركز طبي خاص… تبع شركة عيلة كريم.

“هي اكتشفت اللي بيعملوه…” قال آدم بصوت ضعيف. “شركة كريم كانت غطا لرمي مواد كيميا… الناس كانت بتمرض. ندى كانت بتوثّق. ما قتلوهاش… حطوها في مستشفى نفسي عشان يسكتوها. أنا فضلت سنتين بدور عليها.” كل حاجة وضحت. كريم ما حبنيش صدفة… كان بيقرب مني عشان يراقبني. “هي فين دلوقتي؟” “هربت… وبعتت يوسف الأول. مستنيانا في كوخ قديم.” وصلنا الكوخ… مكان قديم على وشك يقع. آدم وقع من التعب. دخلت وأنا شايلة يوسف والفلاشة.

جوا، ست ماسكة بندقية. “ندى؟” قلتها. لفت… كانت هي. أكبر ومتعبة… بس هي. صوت عربيات قرب. “هاتله الفلاشة!” صرخت. “لا”، قالت ندى. “دي فيها حسابات فلوس غير شرعية… كريم مش بس محامي، ده بيغسل فلوس عصابات. وكان عايز يتجوزك عشان تحميه.” الباب اتفتح بعنف… كريم دخل… لابس لبس قتالي، وشه كله غضب. “ليلى… لسه ممكن نصلّح كل حاجة… هاتي الفلاشة.” بصيت له… وبعدين رميتها من الشباك في المية. “هاتوه!” صرخ.

في اللحظة دي… ندى ضربت خزان غاز. انفجار ضخم حصل. النهاية باختصار (مع الحفاظ على الأحداث): كريم اختفى بعد التحقيقات. آدم عاش بعد عمليات كتير. ندى بقت حرة. ويوسف بقى طفل طبيعي. أما أنا… احتفظت بفستاني، وصبغته أسود. عشان أفتكر اليوم اللي كنت هتجوز فيه وحش… واليوم اللي اتعلمت فيه إن الحب مش أمان… الحب هو الحقيقة… حتى لو بتحرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى