فارس احلامي

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

لا ما انا ع العموم قربت أخلص.
قالتها وانكبت برأسها على الأوراق لتتهرب من إلحاح زميلها فلم تكن تحتمل حصار نظراته المستمر ولا تلميحاته المبطنة التي تحاول جاهدة تجاهلها.
عند نهاية الدوام وبينما كانت دنيا تجمع أغراضها للرحيل لاحظت زميلتها مدام عنايات وهي تهمس للأستاذ رجب وتنظران نحوها بين الحين والآخر. لم تعر الأمر اهتماما لكن عنايات فاجأتها بالنداء
استني يا دنيا عايزة اروح معاكي.
تروحي معايا ماشي تعالي.
أجابت دنيا باستغراب وانتظرتها حتى أغلقت حقيبتها وغادرت مقعدها القريب من رجب. كان وجه عنايات ينبئ بأن لديها ما تقوله.

داخل حافلة الموظفين استغلت مدام عنايات الفرصة لفتح الموضوع الملح وهمست بصوت خفيض حتى لا يسمعها الآخرون
بقولك الراجل بيحبك وعايز يتجوزك محتاجة ذكاوة دي
لا يا ستي مش محتاجة ذكاوة وانا عارفة وحاسة بكدة من زمان لأن تلميحاته مكشوفة وطول الوقت بيظهرها قدامي.
طيب يا بنتي ايه المشكلة بقى
المشكلة ان انا نفسي مش عايزة.
مش عايزة ليه هو الراجل وحش متزعليش مني لو بتدخل بس انا قد امك ويهمني مصلحتك.

يا مدام عنايات انا مش زعلانة منك والله فاهمة وعارفة وجهة نظرك اللي بالمناسبة هي نفسها وجهة نظر أمي هي كمان عايزة تجوزني وتفرح بولادي في حياتها.
يا فرج الله! يعني انا عندي حق لما اقولك ان الاستاذ رجب فرصة ما تتعوضش دا راجل موظف ومتعلم غير انه يمتلك سوبر ماركت مع عيلته يعني كمان هتعيشي مرتاحة ماديا ومحترم مش زي بقية الموظفين.
يا مدام عنايات انتي بتتكلمي في ايه بس ما الحاجات دي كلها انا عارفاها هو راجل كويس ويستاهل كل خير واللي أحسن مني.

أحسن منك ليه بس يا بنتي هو انتي وحشة ولا ناقصة مثلا ما تقولي يا بنتي ع اللي فيكي!
لقد حاصرتها عنايات في الزاوية وجردتها من كل الحجج الواهية تماما كما تفعل والدتها مع كل خاطب يتقدم لها. وقفت دنيا عاجزة عن إيجاد رد مقنع يوقف هذا السيل من الكلام فهي في النهاية لا تستطيع الموافقة ولا ينوبها من الرفض سوى السخط.
مالك يا دنيا سكتي ليه ما تردي يا بنتي عليا.

قالتها عنايات فاضطرت دنيا لمهادنتها قائلة
خلاص يا مدام عنايات انا هشوف ماما واصلي استخارة قبل ما ارد عليكي بس بلاش وحياة الغالين عندك تدي له عشم اني موافقة عشان انا لسة بفكر.
قالت ذلك حين رأت ملامح البشر على وجه الست فخشيت أن تذهب لتبشره بالموافقة كما حدث في مرة سابقة أدت لنتائج مأساوية.
خلاص مش هقول وهسيبك تفكري براحتك ما هو أكيد يعني انتي تعرفي مصلحتك ولا ايه
هزت دنيا رأسها لترضيهيا وانشغلت عنايات بعدها بالحديث مع الموظفين أو بالهاتف فهي من النوع الذي لا يصمت أبدا.

أما دنيا فقد أسندت رأسها إلى الكرسي وراحت تتأمل الطريق من النافذة سارحة في عالم الخيال الذي تعيشه مستحضرة حلمها الجميل الذي يرافقها ليل نهار.
عادت بها الذاكرة إلى أجمل رحلة في عمرها حين زارت البلد مع والدتها قبل خمس سنوات بعد تخرجها من الجامعة. كانت قد ذهبت مرغمة لحضور زفاف ابنة عمتها رغم عدم محبتها للفتاة لكنها فعلت ذلك إرضاء لعمتها الطيبة.
فلاش باك
في اليوم الثاني للزيارة وهو يوم الحناء كانت العروس منشغلة فاصطحبت دنيا ابنة عمتها الصغيرة صباح ذات الأحد عشر عاما لتريها مزرعة الموز التي طالما سمعت عنها.

بينما كانت صباح تشير إلى البيوت وتعرفها على الأقارب قالت
شايفة يا ابلة دنيا اهو دا بقى يبقى بيت خالي حسنين العمارة الكبيرة اللي ورا النخلة دي بناه جديد من كام سنة بالطوب الاحمر بعد ما كان قديم وبالطوبة الخضرا.
يعني ايه بالطوبة الخضرا هو انتوا عندكم الطوب شكله بالألوان
ضحكت الصغيرة بقوة ولم تستطع التوقف
ألوان ايه انا قصدي انه كان مبني بالطين!

هو انتي متعرفيش ان البيوت القديمة كانت بتتبني بالطين
أجابت دنيا بضيق من سخ*رية الطفلة
لأ يا ختي اعرف طبعا هو انتي شايفاني جاية من باريس انا بس استغربت اللفظ مكنتش اعرف انكم مقسمينها ألوان القديم لون والجديد لون.
تاني هتقولي ألوان!
عادت صباح للضحك مما زاد من غيظ دنيا التي كانت تتمتم في سرها
يا لثقل ظلك! لا أعلم هل ورثت هذا عن والدك أم عن أختك المتصنعة أعانك الله يا عمتي على عشرتهم.
فجأة هتفت صباح
احنا خلاص قربنا نوصل اهو.
نظرت دنيا أمامها فانبهرت بمنظر أشجــ .

ــار الموز الممتدة بلونها الأخضر الزاهي وثمارها التي قاربت على النضج. كان مشهدا يبهج النفس جعلها تنسى ضيقها من مرافقة صباح.
آآه!
صرخت دنيا فجأة حين تعثرت في ثوبها فوق أرض غير مستوية وسقطت لتتضاعف آلامها.
آه يا رجلي!
ارتمت صباح على ركبتيها بذعر
مال رجلك ايه اللي حصل
ألم رهيب في رجلي انا حتى مش قادرة اعدلها ساعديني وحاولي ترفعي معايا جسمي عنها اصلها بقت تحتي.
ردت صباح بتذمر
ما انتي اللي مش واخدة بالك سرحانة وانتي ماشية على اشجــ .

ــار الموز وشكل السباط اللي نازل منه ولا اكنك شفتي فاكهة قبل كدة!
صاحت دنيا بوجع ودموعها تنهمر
بقولك اعدليني يا زفتة! دا وقت كلامك الأهبل ده رجلي هتروح مني!
حاضر خلاص.. اوووف.
حاولت صباح رفعها بخرق فزادت من ألمها حتى صرخت دنيا فيها بغ*ضب
مش تخفي ايدك وبراحة عليا هو انتي معندكيش احساس يا بنت انتي دا انا موجوعة يا زفتة!
ويعني اعملك ايه اكتر من كدة ما انا ساعدتك اهو تتعدلي حاولي بقى تقفي عليها.

حاولت دنيا الاستناد بيديها لكن بمجرد محاولة تحريك قدمها المص*ابة صرخت من شدة الألم
آآآه مش قادرة! مش قادرة اكمل حاولي تشوفي مساعدة ولا حد يوصلنا.
اشوفلك فين بس واحنا هنا في حتة مقطوعة! لا احنا مقربين من بيوت الاهالي ولا حتى وصلنا للزراعات وقفنا في النص من شطارتك.
يعني ايه الكلام ده انا هفضل كدة رجلي موجوعة ولازم تتعالج!
متخافيش اوي يا ختي احنا واقفين في الطريق يعني ممكن اي حد يكون معدي دلوقتي ويجي يوصلنا.. لو حظك حلو هتيجي المساعدة بسرعة ولو حظك وحش هتبلطي بقى مكانك وتضيعي عليا رسم الحنة مع اختي..

هو انتي ايه اللي خلاكي تيجي من مصر بس
زاد كلام صباح المستفز من بكاء دنيا المرير فقالت الفتاة باقتراح
طب انتي مدام خايفة اوي كدة انا عندي حل ممكن تستنيني على ما ارجع على بيت خالي ع الاقل واشوف حد يجي بعربيته ويوصلنا.
يعني هتسيبيني لوحدي
مش رايحة اساعدك دا ايه النيلة دي!

روحي.. بس وحياة الغالين عندك يا شيخة ما تتأخري عليا الشمس هنا ابتدت تسخن وانا بخاف اوي.
ولا يكون عندك علم هوا وراجعة لك.
ركضت صباح واختفت عن الأنظار تاركة دنيا وحيدة في نوبة بكاء وانهيار. وفي غمرة يأسها سمعت صوتا غريبا يخاطبها
انتي قاعدة في نص الطريق كدة ليه
رفعت رأسها المغمور بين كفيها لتجد شخصا فاجأها حضوره فسألها ثانية
بتعيطي ليه في حاجة تعباكي
هزت رأسها نفيا وهي تكذب
لأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى