زهره وزين

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات

زين بصلها باستغراب، حس إن فيه كلام أثقل من اللي اتقال لسه هيتقال. “فيه إيه يا مرات عمي؟ قوليلي على طول.” أخدت نفس عميق بالعافية وقالت والدموع مالية عينيها: “تتجوز زهرة يا زين… وتستر عليها. تاخدها وتسافر بعيد… أي حتة غير البلد دي. عشان الفضيحة… وعشان عمك يرجع يقف على رجليه تاني. هو مش هيقوم من اللي هو فيه ده إلا لما يحس إن بنته اتقدرت ومستقبلها لسه موجود. هي دي الطريقة الوحيدة يا ابني… دي الطريقة الوحيدة اللي عمك بيها ممكن يسترد صحته.”

زين اتسمر مكانه. يتجوز زهرة؟ البنت اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ وياخدها ويسافر؟ طلبها كان صاعقة تانية أكبر من كل اللي فات. كل اللي قدر يقوله بصوت مبحوح مش مصدق: “إيه اللي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”زين بص في الأرض لحظات طويلة، صورت عمه وهو مكسور ومشلول ما غابتش عن باله. شاف سنين تعبه وشقاه عشان يكبرهم ويستر عليهم. كل اللي بناه بيتهد قدام عينيه، وده كان كفيل يهد أي حاجة جواه. حس بوجع في قلبه من اللي وصلوله. مفيش حل تاني، مفيش غير إنه يضحي عشان خاطر عموده الفقري اللي انكــ,,ـــــسر.

رفع راسه وقال بصوت فيه مرارة بس كان حاسم: “أنا موافق يا مرات عمي.” الكلمة دي نزلت على مرات عمه زي قطرة ماء في صحرا، شهقت وحضـ,ـنته وهي بتبكي أكتر: “ربنا يجبر بخاطرك يا ابني، ربنا يرضى عليك.” * كم ساعة عدوا زي سنين. المأذون جه، والقعدة كانت كئيبة. زين قاعد والضيق مالي وشه، بيبص لزهرة اللي كانت قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط، والدموع نازلة من عينيها من غير ما تتكلم. كل ما يبصلها يحس بغض,,ب مكتوم، مش قادر يصدق إن دي زهرة اللي يعرفها. ازاي كل ده حصل؟

لما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، زهرة انتفضت، وطلعت منها كلمة واحدة يا دوب مسموعة وسط نحيبها: “مظلومة…”

زين ما سمعهاش كويس وسط ضوضاء الأوراق وهمسات الموجودين، لكن الكلمة اخترقت صمته الداخلي. “إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل باقي الإجراءات. زهرة كانت بتبص في الأرض، وعينيها بتقول حكايات ألم، لكن شـ,ـفايفها ما نطقتش غير الكلمة دي، اللي اختفت في صمت الأوضة الحزين. هو وقع على الورق، إمضاء واحد بس غير حياتهم كلهم.زين مابقاش فاهم أي حاجة، الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغه. مسك أعص,,ابه بالعافية ووافق على طلب مرات عمه اللي كان أقرب للأمر منه للرجاء. جهز نفسه، وجهز زهرة اللي كانت لسه في صدمتها وبتعيط بس، ومفهمش منها أي حاجة غير كلمة “مظلومة” اللي كانت بترددها زي المجنونة.

طول الطريق للعاصمة، العربية كانت ساكتة وصوت عياط زهرة المكتوم هو الوحيد اللي كان مالي الجو. زين كان سايق وهو بيكز على سنانه، الغض,,ب جواه كان بيغلي. كل ما يسمع نحيبها الخافت، أو كلمة “مظلومة” اللي كانت بتطلع منها بالعافية، كان بيفتكر وش عمه المكسور، وصوت مرات عمه وهي بترجوه.

كان رافض تماماً يسمعلها. أي كلمة كانت ممكن تقولها كانت بتترجم عنده لغيرة وشعور بالخـ,ـيانة. ازاي بنت عمه، اللي كانت تحت عينيه، تعمل كده؟ ازاي تحط راس عمهم في الطين بالمنظر ده؟ مفيش أي مبرر. كل اللي كان عايزه هو الصمت، يمكن الصمت يطفي النــ,,ـــــار اللي جواه. هي كانت بتبص له بعينيها اللي غرقانة في الدموع، وكأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم، يديها فرصة تدافع عن نفسها، بس هو كان باصص للطريق قدامه، مصمم إنه مش هيفتح مجال لأي حوار. مش دلوقتي. ولا يمكن أبداً.وصلوا قدام الفيلا الكبيرة في القاهرة.

زين وقف العربية ومطفيش المــ,,ـــــوتور، فضل ساكت كام دقيقة، كأنه بيجمع شتات نفسه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة فيه. زهرة كانت لسه بتعيط بصمت، خايفة ترفع راسها وتبص له. بص ناحيتها بنظرة كلها غضـ,ـب واشـ,ـمئزاز، عينيها كانت حمرا ومورمة، بس نظراته كانت حادة زي السـ,ـكين. صوته طلع ناشف ومقرف: “اسمعي كويس اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة، مفيش أي حد هيعرف إنك مراتي. انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد عشان تشتغل في الفيلا. فاهمة؟”

زهرة رفعت وشها بصدمة، الدموع وقفت في عينيها للحظة. “خدامة؟” قالتها بصوت خافت، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.

“أيوه، خدامة. وهتسمعي الكلام اللي يتقال بالظبط. ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة. وحسك عينك حد يعرف الحقيقة. لو ده حصل، وحياة عمي اللي بقى في الحالة دي بسببك، لهتشوفي وش زين اللي عمرك ما شفتيه. مفهوم؟” كمل كلامه، ونبرته كانت بتتوعد، وعنيه بتوعد بالأسوأ لو ما سمعتش كلامه. نظراته كانت بتخترقها، بتخليها تحس إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار.زين نزل من العربية ورزع الباب وراه، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة، حاطة وشها في الأرض زي ما يكون بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه. حست بنظراته اللي بتلسعها في ضهرها، كأنه عايز يحــ,,ـــــرقها من مكانها.

صفحة الكاتبة ملك إبراهيم زين دخل الفيلا الكبيرة وهو بينادي بصوت عالي: “يا سنية! يا سنية!” سَنِيّة، مديرة الشغل في الفيلا واللي كانت كبيرة في السن، طلعت تجري على صوته. “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.” زين بص على زهرة اللي كانت واقفة بعيد شوية، كأنها خيال، وقال بصوت عالي ومسموع، وكأنه قاصد كل كلمة توصل لمسامعها: “دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد. هتشتغل معاكم هنا. وريها شغلها وقوليلها على كل حاجة.”

الكلم,,ات دي كانت زي السكاكين اللي بتغرز في قلب زهرة. حسيت إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف. نظرة سنية ليها كانت نظرة عادية، نظرة عاملة لزميلة ليها، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار عالمية. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها، نزلت تاني بصمت، حــ,,ـــــرقت وشها المجهد. سنية هزت راسها وقالت: “حاضر يا بيه. تعالي يا بنتي معايا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى