
زهرة ما رفعتش راسها، بس مشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها ألم الدنيا كله. كل ما بتبعد، بتحس إنها بتفقد أكتر وأكتر من نفسها، وبتتأكد إن “مظلومة” دي كلمة محدش هيسمعها ولا يصدقها أبداً.عدى شهر، وكل يوم كان بيعدي على زهرة كأنه سنة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة، خصوصًا لما كانت كل تفصيلة فيها بتفكرها بحياة تانية كانت عايشاها كبنت عم زين، مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري، تعمل شغل البيت، وتنام وهي بتعيط بصمت كل يوم، كلمه “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة جواها.
زين كان بيتجنبها تمامًا، وكأنها شــ,,ـــــبح، ونظراته لو صادفها كانت دايماً باردة ومُنفّرة. في يوم، سنية قالت لها إن الفيلا النهاردة هتكون مقلوبة، عشان فيه حفلة كبيرة زين عاملها لشركة بتوعه، وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها. لبست زهرة زي الخدم الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، حسّت إنها اتقطعت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد جزء من ديكور الفيلا. بالليل، بدأت الفيلا تتحول لقاعة استقبال فخمة، أضواء وديكورات وموسيقى هادية.
المعازيم بدأوا يجوا، زهرة كانت بتتحرك بينهم بسرعة، بتقدم المشروبات والأطباق وهي بتحاول متلفتش أي انتباه ليها. وفجأة، عينها وقعت عليه. زين.
كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك أوي، وشعره متسرح بعناية، وسامته كانت بتخطف الأنفاس. الابتسامة المهذبة اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت بتضوي المكان، وبتخلي كل اللي حواليه ينجذبوا ليه. كانت بتبص عليه من بعيد، وهو مش دريان بيها، قلبه فجأة دق بطريقة غريبة. رغم كل الوجع والغض,,ب اللي سببهولها، سحره ووسامته خلوا قلبها يتأرجح، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة للنور، سحره كان قوي لدرجة إنها حست بلمعة في عينيها.وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كأنه نجم ساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر.
كانت لابسة فستان سهرة أحمر يبرز جمالها، ولفتت الأنظار كلها بمجرد دخولها. خطت خطوات واثقة وراحت لزين مباشرةً، حطت إيدها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة المكان، وابتسامة واسعة زينت وشها. زين ابتسم لها هو كمان وبادلها الكلام، وكأن وجودها كان طبيعي ومألوف. زهرة شافت المشهد ده بعينيها، وهي بتقدم طبق مالح لأحد الضيوف. قلبها اللي كان لسه بيدق على وسامة زين، حس إنه بيتقطع. مين دي؟ وايه مكانتها في حياة زين؟ الأسئلة دي دارت في بالها وهي بتحاول تكتم غيرتها اللي بدأت تشعل قلبها.
لكن في نفس الوقت، كان فيه عيون تانية متابعة زهرة في صمت. أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي بيراقبها. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بزي الخدم الموحد، لكن كانت بتشع ببراءة ورقة خطفت عينه. لاحظ حركتها الهادية، عينيها اللي كانت بتلمع رغم الحزن، وشكلها اللي كان مختلف عن أي بنت شافها في المجتمع ده. عجبه فيها شيء غامض، وكان فضوله بيزداد معاها كل ثانية. تابعها بنظراته الذكية والنافذة، وكأنه بيشوف جوهرة مخبأة وسط كومة رمل.الحفلة كانت شغالة على ودنها، والمشروبات بتدور على الكل.
أياد، اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم، عينيه فضلت تتابع زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب طلب جديد. الشرب كان عمل شغله فيه، مخه كان فصل، وراح وراها بخطوات مش متزنة. زهرة كانت بتلم الأطباق وهي سرحانة، لما حست بحد وراها. لفت وشها بسرعة لقت أياد واقف وراها بالظبط، وعينيه لمعتها غريبة. قلبها اتنفض، حاولت تبعد خطوة لورا، لكن هو كان أسرع. مد إيده ناحيتها، حاول يلمسها، وهي رجعت لورا بخوف.
“إيه اللي بتعمله ده يا أستاذ أياد؟!” قالتها بصوت خافت فيه رجفة. هو ما ردش، حاول يقرب أكتر، يلمس وشها. زهرة اتجمدت من الرعب، حست إن الخطر حقيقي وقريب. صرخت صرخة عالية، اخترقت صوت الموسيقى والضحكات، صرخة كلها خوف ورعب. صوت الصرخة العالية خلا كل اللي في الفيلا يتسمروا في مكانهم. الموسيقى وقفت، والكل بص ناحية مص,,در الصوت. زين، اللي كان بيتكلم مع البنت الجميلة، اتخض وجري على جوه بسرعة، قلبه اتقــ,,ـــــبض إحساس مش حلو.
دخل المطبخ لقى زهرة واقفة بتترعش، والدموع مغرقة وشها، وأياد ماسك وشه اللي بينزف دم من مناخيره. زهرة أول ما شافته جريت عليه، حـ,ـضنته وهي بتترعش وبتعيط هستيري، كأنها بتتحامى فيه من وحش كاسر. أياد بص على زين بغض,,ب، صوته كان متقطع وهو بيقول: “البنت دي… البنت دي مش كويسة يا زين! كانت عايزة تعمل معايا علاقة، ولما رفضت، ضـ,ـربتني في وشي!”
كلم,,اته نزلت على زين زي صاعقة، خصوصًا إنه حاسس بذنب تجاه أياد. بص لزهرة اللي كانت لازقة فيه وبتعيط، الغض,,ب والحيرة كانوا بيتعاركوا جواه.زين بصلها بصدمة، كلام أياد رن في ودانه زي الجرس. ازاي يتجرأ أياد يقول كلام زي ده؟ وفجأة، الشك القديم، الفضيحة اللي هرب منها، كلها رجعت تضـ,ـرب في دماغه زي المطارق. بص لزهرة اللي لسه ماسكة فيه وبتعيط، كأنها بتستنجد بيه، بس في عينيه ما بقاش فيه غير غض,,ب أعمى.
“مش كويسة؟” الكلمة كانت بتردد في راسه وهو بيبص لها باشمئزاز. “أنا اللي صدقتك، أنا اللي سترت عليكي… عشان في الآخر تطلعي زي ما كنتي متهمة بالظبط!” قبل ما زهرة تقدر تنطق بحرف واحد، إيد زين كانت نزلت بقوة على وشها. القلم كان صوته يرن في المطبخ اللي سكت تماماً. زهرة حطت إيدها على خدها المضروب، وعينيها كانت مليانة دهشة ووجع أكبر من القلم نفسه. “قومي!” صرخ فيها، وسحبها من إيدها بقوة لدرجة إنها كادت تقع. كان بيسحبها وراه، ومشي بيها وسط نظرات كل اللي في الحفلة، اللي كانوا مصدومين من المشهد.
“فين؟ موديني فين؟” قالتها بصوت متقطع، والخوف بان على وشها.

