فاتوره الدلع الزائد ٢

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

نور (بصوت رخيم وهادئ يقطع القلب): “رجوعك أو طلاقك لنادية.. دي قرارات تخص حياتك أنت يا عمر، مابقتش تخصني. أنا موجودة هنا النهاردة عشان الولاد، وعشان البيت اللي بنيته بد.م قلبي وسنين عمري، مش هسيبه لغيري يتمتع بتعبي. أما قلبي اللي كسرته بإيدك.. فده محتاج سنين عشان يفتكر شكلك، ومحتاج عمر عشان يرجع يثق فيك.” حاول عمر أن يمسك يدها، فتراجعت بلمحة سريعة من القرف لم تستطع إخفاءها: “يا نور، أنا أبو ولادك، وحبيبك..”

قاطعته نور بابتسامة باهتة: “كنت يا عمر.. كنت. ‘نور القديمة’ اللي كانت بتشوف الدنيا بعينيك ماتت ليلة ما طلعت ورقة الجواز من جيبك. نور الجديدة مابتقبلش بفتات المشاعر، ولا بتعيش ‘تحت ضل راجل’ لمجرد الستر. أنا النهاردة سترة نفسي، وسند ولادي.” ثم وقفت وواجهته بصلابة جعلته يشعر بضآلته: “اسمع يا عمر.. ده شرطي الأخير والوحيد عشان المركب تمشي: أنت هنا ‘أب’ للولاد، و’شريك’ في المصاريف والمسؤوليات، لكن حياتي الخاصة، خروجاتي، نجاحي، وصمتي.. خط أحمر. عيش حياتك في حدود اللي فاضل لك عندي، وسيبني أعيش حياتي اللي فاضلة لنفسي ولولادي. السيادة في البيت ده من النهاردة.. ليا أنا وبس.” روايات.هالة.القمر

نظر عمر حوله، شعر فجأة أنه غريب في بيته، وأن المرأة التي أمامه لم تعد “مضمونة” كما ظن. أدرك أن ثمن “الدلع الزائف” الذي بحث عنه عند نادية، كان “الأمان الحقيقي” الذي لن يشعر به مرة أخرى في عيني نور. مر عام كامل على تلك الليلة العاصفة. لم يعد البيت كما كان، ولم تعد “نور” هي تلك المرأة التي تذوب رقةً بكلمة أو تنهار ضعفاً بنظرة. لقد تحول انكسارها إلى درع صلب، وبردت نيران قلبها لتصبح صقيعاً يغلف علاقتها بعمر.

لم تكن السنة الماضية سهلة، لكنها كانت “سنة التحرر”. استقرت نور في بيتها المستقل الذي أجبرت عمر على توفيره، وحولته إلى مملكة خاصة بها وبعملها في التصميم الذي ازدهر بشكل غير متوقع. : أصبحت نور تمشي بخطوات واثقة، تخلت عن نظرة “الاستجداء” وحلت محلها نظرة “الاستغناء”. : لم يعد يشغل بالها متى سيعود عمر أو أين سهر، بل صار جل تركيزها على نجاحها المهني وتفوق أطفالها الذين رأوا في أمهم قدوة لم يعرفوها من قبل.

ساعدها والدها فى استئجار شقه فى حى راقى وجعلتها أتيليه يليق بتصميماتها وحلمها الذى سعت فى تخقيقه مأخرا وها هى تقف على أعتاب هذا الحلم الذى اصبح حقيقه.. تقف خلف مكتبها، وفى يدها لوحة كبيرة تضم “اسكتشات” مرسومة بيدها ، وحولها عينات من أقمشة الحرير والدانتيل… روايات.هالة.القمر تقف بوقار، تمسك “مازورة” القياس حول رقبتها، وتوجه العاملات بهدوء وثقة، تضع لمستها الأخيرة على فستان سهرة، بينما المصورون يلتقطون لها صوراً لغلاف مجلة فنية

بينما نادية، التي ظنت أنها انتصرت، وجدت نفسها أمام “سراب”. فبعد أن طلقها عمر في نوبة ند.م، لم تستسلم بسهولة. حاولت طوال العام “تسميم” الأجواء بين نور وعمر بكل الوسائل: : حاولت نادية الظهور في الأماكن التي تتردد عليها نور، متصنعة الأناقة والدلال أمام عمر حين يأتي لرؤية أولاده، لكنها كانت تبدو كـ “بهرج رخيص” أمام رقي نور وهدوئها الذي يزداد جمالاً مع الأيام.

سـ . لاح المظلومية: كانت تتصل بعمر وتدعي المرض أو الحاجة المادية، وتتعمد تسريب أخبار له بأن “نور” تخطط للزواج من رجل آخر أو أنها تمنع عنه أولاده (رغم كذب ذلك) لتشعل نــ ــار الغيرة في قلبه وتدفعه للصدام مع نور. : باءت محاولاتها بالفشل ولكن لم تستسلم حاولت إرسال رسائل “اعتذار” لنور، مدعية أنها كانت ضحيــ .ــة لخداع عمر، في محاولة لزعزعة ثقة نور بنفسها مجدداً، لكن نور كانت تضع كل رسائلها في سلة “المحذوفات” دون أن تقرأ حرفاً واحداً.

كادت تمـ,ـوت ناديه غيظا من تجاهل نور لرسائلها تجلس في غرفته كل يوم بعد الطلاق، شغلها الشاغل تتصفح “فيسبوك” بغل، تظهر أمامها صورة لنور في افتتاح مشغلها الجديد، وهي بكامل أناقتها والابتسامة تملاً وجهها. (تتحدث لنفسها بغيظ): “بقى دي نور؟ دي الشحرورة اللي كانت بتقلب المحشي؟ جابت العز ده كله منين؟” (تدخل عليها إحدى صديقاتها) الصديقة: “شفتي يا نادية؟ نور بقت أشهر مصممة في البلد، والناس بتقطع بعضها على شغلها.. وعمر بيقولوا واقف قدام بيتها ليل نهار بيستجداها ترجع له وهي مش معبراه.”

ناديه(رمت الهاتف بعنــ . ــف): “كانت بتتمسكن لحد ما تمكنت.. خدت منه الفلوس وعملت لنفسها اسم، وأنا اللي طلعت من المولد بلا حمص! دي كانت عاملة زي القطة المغمضة، جابت القوة دي كلها منين؟” الصديقة: “القوة بتيجي لما الست بتعرف إن اللي كان ساندها (حيطة مايلة).. نور نورت لما طفت نــ ــار قلبها بشغلها، وأنتي يا نادية.. خسرتي الرهان.” روايات.هالة.القمر

أما عمر، فقد عاش هذا العام في “جحيـ ـم الند.م”. أدرك متأخراً أن نادية كانت “نزوة مكلفة” سـ,ـرقت منه أغلى ما يملك. أصبح يعيش في بيته كالغريب، يحاول بكل قوته استعادة “نور” التي كانت تضحي لأجله أصبح متسول على أعتاب قلبها الموصد “كان يقف أمامها كالتلميذ المخطئ، يراقبها وهي تراجع دروس الأطفال أو تنسق تصاميمها، وينتظر منها ولو ‘عتاباً’ واحداً، فالعتاب دليل حب.. لكن صمتها كان يقـ,ـتله.” حاول عمر استجداء نظرة حب واحدة:

: كان يحضر لها أغلى العطور والمجوهرات، فتضعها نور على الطاولة ببرود وتقول: “وفر فلوسك لمستقبل الأولاد.. أنا مش ناقصني حاجة.” : حين يقول لها “وحشتيني يا نور”، تنظر إليه بابتسامة صفراء لا تصل لعينيها وترد: “العشا جاهز يا عمر.. الولاد مستنيينك.” محاولة القرب: في إحدى الليالي، حاول أن يمسك يدها وهو يعتذر بد.موع حقيقية، فسحبت يدها بهدوء شديد وكأنها تلمس شيئاً “غريباً” عنها، وقالت بلهجة قاطعة: “يا عمر.. أنت قـ,ـتلت الشخصية اللي كانت بتحبك. اللي قدامك دي ‘أم ولادك’ وبس. متبوظش العـ ـلاقة الهادية اللي بينا بمحاولات ملهاش مكان.”

: السيادة لمن استغنى انتهى العام ونور في قمة نضجها، وعمر في قمة انكساره. لقد تعلم عمر الدرس القاســ . ــي: أن بعض الكسر لا يجبره الند.م، وأن القلوب التي تُباع في المزاد لا تعود أبداً كما كانت. ظلت نور هي “سيدة البيت” وصاحبة القرار، تعيش حياتها لنفسها ولأطفالها، تاركة لعمر “الجسد” الذي يسكن البيت، بينما “الروح” فقد رحلت عنه للأبد يوم أن استبدلها بغيرها. نادية خرجت من حياتهما مطرودة منبوذة، وعمر ظل يعيش بقية عمره يحاول أن يلمح في عيني نور “شرارة” الحب القديمة، لكنه لم يجد سوى مرآة تعكس خيبته.

فاتورة الدلع الزائف.. روايات.هالة.القمر تمت يحمد الله اتمنى تكون نالت اعجابكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى