حكايه مهران وحوريه

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

مهران خد نفس طويل، لفّ وشّه بعيد عنها، وصوته طلع أوطى من الأول: «قومي…» حوريه رفعت عينيها بخوف: «قومي؟» قال وهو لسه مديها ضهره: «قومي عدّلي هدومك… أنا نازل لهم.» بصّت له بعدم تصديق: «نازل؟» لفّ وبصلها بملامح متشددة بس عينيه فيها صراع: «هقولهم اللي يرفع راس أبوك… من غير ما أظلــ . ــمك.» الدموع وقفت فجأة، حوريه قامت ببطء، قلبها بيدق بعنــ . ــف، وبصّت له نظرة مليانة شك وأمل في نفس الوقت.

مهران فتح الباب، وقبل ما يخرج قال من غير ما يبص لها: «ادعي ربنا يطلع كلامك صح… عشان الليلة دي، مش سهلة على حد.» وسابها، والباب اتقفل، وحوريه فضلت واقفة مكانها… مابين خوف لسه ساكنها، وأول خيط نور دخل قلبها من غير ما تحس. «مهران مقربش… ولا لمسني.» الكلام ده كان بيلف في دماغ حوريه وهي نايمة على السر,,,ير، عينيها في السقف، ومش قادرة تنام. أسبوع كامل عدّى… أسبوع وهي على اسمه، مكتوب كتابهم رسمي، والبيت كله فاكر إن الجواز كمل، وإن مهران “ثبت” شرفها قدّام البلد.

بس الحقيقة؟ الحقيقة كانت مختلفة. مهران كل ليلة كان بيدخل الجناح، يغيّر هدومه في صمت، ويمدّ جسمه على الكنبة اللي جنب الشباك، ويسيبلها السر,,,ير. ولا مرة قرب… ولا مرة مدّ إيده… ولا حتى بصّ لها بنظرة راجل لمراته. حوريه كانت في الأول نايمة وهي مرعوبة، مستنية اللحظة اللي يقرّب فيها، مستعدة تدافع عن نفسها، أو حتى تصرخ. بس الأيام عدّت… وهو زي ما هو. كانت بتسمع نفسه وهو نايم، منتظم، هادي.

وتسأل نفسها كل ليلة: «ليه؟ لو شايفني كدّابة، ليه ما فضحنيش؟ ولو مصدقني… ليه مخلّيني معلّقة كده؟» لفّت على جنبها وبصّت ناحية الكنبة، شافته نايم وادي ضهره ليها، ملامحه هادية على غير عادته. مش ملامح واحد منتصر… ولا واحد واخد حقه. أقرب لملامح واحد شايل هم تقيل. قلبها وجعها. مش حب… بس حيرة. همست لنفسها بصوت واطي: «إنت عايز إيه مني يا مهران؟ سترة؟ ولا عقاب؟ ولا بتعذبني بالصمت؟» غمضت عينيها، وحست إن الأسبوع ده كان أطول من سنين.

هي لا متجوزة بجد… ولا مط.لّقة. محبو.سة في نص حكاية، لا عارفة تبدأ، ولا عارفة تخلص. ومن غير ما تحس، دمعة نزلت على خدها، مش خوف… ولا قهر. دمعة انتظار. بعد كام يوم كانت حوريه دخلت الحمام تاخد شاور ونسيت لبسها علي السر,,,ير بعد شوية… باب الحمّام اتفتح بهدوء. حوريه خرجت وهي لافّة فوطة بيضا على جسمها، شعرها مبلول ونازل على ضهرها، ووشّها سخن من البخار. كانت ماشية وهي مطمنة إن مهران نايم، لحد ما رفعت عينيها بالصدفة.

اتجمدت مكانها. مهران كان على الكنبة… بس مش نايم. عينيه مفتوحة، ونظره اتقابل مع نظرتها في نفس اللحظة. الثواني اللي عدّت بينهم كانت أطول من أسبوع الصمت كله. حوريه شهقت بخضة، وشدّت الفوطة على نفسها أكتر، وصوتها طلع متلخبط: «أنا… أنا نسيت هدومي جوه.» مهران اعتدل بسرعة، وبصّ الناحية التانية فورًا، صوته جاف بس واضح فيه توتر: «خدي راحتك… أنا مش باصص.» قلبها كان بيدق بعنــ . ــف، حست وشّها ولّع، وعدّت جنبه بسرعة وراحت ناحية السر,,,ير تجيب لبسها، وهي حاسة بنظره مش عليها… لكن على الأرض، كأنه بيحارب نفسه.

وهو؟ كان سامع صوت أنفاسها، قريب… قوي… وحاسس لأول مرة إن المسافة اللي بينهم مش بس مسافة كنبة وسر,,,ير. لبست بسرعة، وإيدها كانت بترتعش، وبصّت له لقت ضهره ليها، كتافه مشدودة كأنه واقف قدّام معركة. قالت بصوت واطي: «آسفة…» مردّش. بس لما قامت تطفي النور، سمعته يقول من غير ما يلف: «إنتي ما عملتيش حاجة غلط يا حوريه.» الكلمة وقفتها مكانها. ما علّقتش… بس قلبها دق دقّة مختلفة. الليل عدّى،

وكل واحد فيهم في مكانه، بس لأول مرة… الصمت ما كانش فاضي. بعد الأيام اللي عدّت، كل حاجة اتغيّرت… حوريه كانت بدأت تلاحظ حاجات صغيرة عن مهران: صمته اللي مش برد، اهتمامه اللي مش فرض، احترامه ليها حتى لما كانت غضــ . ــبانة، وطريقته إنه يخليها تحس بالأمان جوه الجناح اللي كان في الأول مجرد مكان للنوم. مهران نفسه كان بيتغير. كل يوم بيعدّي، قلبه كان بيكبر فيها، يحس بحاجات عمره ما حسها قبل كده: حنانها، صراحتها، قوتها، وجرأتها اللي مش بس بتشجعه، لكن كمان بتخليه عايز يكون أفضل.

في يوم، بعد ما حوريه قعدت على الكنبة جنبه، كان فيه صمت طويل… صمت مليان كلام ما ينطقش. مهران خد نفس عميق، وبص لها في عينيها من غير ما يبعد: «حوريه… أنا…» تردد شوية، ويديه اتحركت كأنها بتعترف عن طريق الحركة قبل الكلام: «…أنا بحبك. بحبك بجد… من يوم ما شفتك أول مرة. ومفيش يوم عدّى من غير ما أفكر فيك.» حوريه قلبها كاد ينفجر. دموع فرح بدأت تنزل، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.

همست بصوتها المتهدج، والابتسامة مرسومة على وشها: «مهران… أنا كمان… أنا بحبك. طول الأيام دي كنت متأكدة إنك راجل حقيقي… وكل يوم بتأكدلي أكتر.» ابتسم مهران، وقرب شوية، وحط إيده على إيدها اللي لسه بترتعش: «بس عايزك تعرفي… الحب ده مش بس كلام… أنا هثبتلك كل يوم، أعمل اللي يخليك تحسي بالأمان والسعادة.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى